الضالّون المكذبون

بقلم: بسام جرار

 

قد يكون الضلال عن جهل وعن غير قصد ولا يؤاخذ صاحبه، كمن يضل الطريق فلا يصل إلى هدفه مع رغبته الكاملة في الاهتداء والوصول. وقد يكون ناتجاً عن مقدمات قدّمها المرء فكان الضلال هو الثمرة المشؤومة للسلوك غير السوي. وقد يكون ذلك نتيجة انحراف النفس الغارقة في المعاصي، فلا يعود الشخص راغباً في الهداية، بل لا يعود قادراً على إدراك أنه يسير في طريق الضلال. والأول تجده طالباً للحقيقة حريصاً عليها، فما أسرع ما يهتدي. والثاني تجده مستشعراً لما آلت إليه أعماله، وأمثال هذا ترجى له الإنابة. أما الثالث فمصاب بالانعكاس النفسي، فيرى الحق باطلاً ويرى الباطل حقاً، فما أبعد ما يهتدي.

إذا كان الأول معذوراً في ضلاله فلا يعذر عندما يُضيف إلى ضلاله التكذيب. أما الثالث فيكون مكذباً للحق في أغلب أحواله. وما نرمي إليه هنا أن نبين  حقيقة الخلل المنهجي الي يقع فيه الضال عندما يُكذِّب الحق. والذي يُكذِّب عن ضلال لا يكفيه البيان والبرهان، بل قد يكون التقريع والتهديد والوعيد من أنجع الوسائل لرده إلى الصواب أو ردعه عن التمادي، كما هو الأمر عندما يُطرق القضيب المعوج ليستقيم. والمتدبر للقرآن الكريم يجد أنه كثيراً ما يخاطب أمثال هؤلاء بما يئز النفوس ويخلع القلوب، فيظن من لا علم له ولا خبرة بأنّ خطاب العقول مع أمثال هؤلاء أجدى وأنفع. واستقراء واقع الناس يكشف لك عن نجاح مثل هذا الخطاب، كيف لا، ألا يعلم من خلق؟!

 

الناس ثلاثة: الأول لديه دليل الإثبات فيقول نعم، والثاني لديه دليل النفي فيقول لا، والثالث لا يملك الدليل على الإثبات أو على النفي فيقول لا أدري.

وهذا هو المنطق السوي. وعلى الرغم من وضوح هذا في العقل إلا أنك تُفاجأ بأنّ الكثير من الناس يسارعون إلى النفي أو الإثبات وهم لا يملكون الدليل. ومن أمثلة ذلك ما كنا نلحظه من سلوك الملاحدة ومنهجيتهم غير السوية؛ فقد كانوا يقولون: لا إله والحياة مادّة. وكنا نسألهم كيف عرفتم ذلك؟! فيقولون: لا دليل على وجود الإله، وهم في الحقيقة يقصدون أنهم لم يروه رأي العين. فكنا نقول لهم جدلاً: إذا عجزنا عن تقديم الدليل على الوجود فما دليلكم على عدم الوجود، فأنتم تقولون: لا إله؟! فقد كانوا يظنون أنّ عدم وجود الدليل على الإثبات هو دليل النفي. فكنا نقول لهم: أنتم الفئة الثالثة من الناس التي ينبغي أن تقول لا أدري، وبعد أن تُقرّوا بذلك يصبح من واجبنا أن نقدم لكم الدليل. فالضال الذي يُضيف إلى ضلاله التكذيب يكشف عن حقيقة سلطان الشهوة أو المصلحة أو الكبر...على عقله. وأمثال هؤلاء لا تنفعهم الحجة والبرهان، بل يلزم أن تبحث عن حقيقة المرض الذي تدل عليه العوارض حتى تتمكن من تقديم العلاج.

 

والمشركون العرب عند نزول الرسالة كانوا يُقرّون بأنّ الله تعالى هو خالقهم وهو خالق السماوات والأرض؛ انظر الآية 38 من سورة الزمر:" ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرضَ ليقولُنَّ الله..."، وانظر الآية 87 من سورة الزخرف:" ولئن سألتهم من خلقهم ليقولُنَّ الله فأنى يُؤفكون". وعلى الرغم من هذا الإقرار، الذي يُسجّله عليهم القرآن الكريم، وعلى مسمعهم، نجدهم يُصرّحون بإنكار اليوم الآخر. فكيف عرفوا أن لا بعث ولا حساب، وما دليلهم الذي حملهم على الجزم بالنفي؟! والعجيب أنّ أهل الإلحاد في عصرنا يدركون، أكثر من غيرهم من الأمم السالفة، بعض حقائق عظمة الخلق وإبداعه ثم هم ينكرون بعث الأجساد التي بليت. وتكتشف مدهوشاً أنّ إنكارهم هذا يحملهم عليه عجزهم عن بعث الأجساد بعد موتها، فقد قاسوا الخالق على المخلوق. فكأنّهم يقولون: ما يُعجزنا يستحيل أن يكون!! ومن هنا نجدهم، مثلاً، ينكرون ويستهزئون عندما يُذكر لهم بعض أخبار معجزات الأنبياء. ومثل هذا الموقف الطفولي ما كان ليكون لولا أنّ التكذيب أساسه الضلال.