سورة المدثر
:: مدخل إلى الإعجاز العددي ::

 

بسم الله الرحمن الرحيم

"يأيها المدثرُ قمْ فأنذرْ وربَّك فكبرْ وثيابك فطهرْ والرُّجزَ فاهجرولا تـَمْنن تستكثرولربّك فاصبرْ فإذا نُقر فى الناقور فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ على الكفرينَ غيرُ يسيرٍ ذَرْني ومَنْ خَلقْتُ وحيداً وجعلتُ له مالاً ممدوداً وبنينَ شُهوداً ومهَّدتُّ له تمهيداًثم يطمعُ أنْ أزيدَكلا إنهُ كان لآيتنا عنيداًسأُرهقُهُ صَعوداًإنه فكَّرَ وقَدَّرَفقُتلَ كيف قَدَّرَثم قُتلَ كيفَ قَدَّرَ ثُم نَظَرَثم عَبَسَ وبَسَرَ ثم أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ فقال إنْ هذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُإنْ هذا إلا قَوْلُ البَشَرِسَأُصْليهِ سَقَرُوما أدركَ ما سَقَرُلا تُبْقى ولا تَذَرُلوّاحةٌ للبَشَرِعليها تِسعَةَ عَشَرَوما جعلنا أَصحابَ النَّارِ إلا مَلئكةً وما جَعلنا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنةً للذينَ كَفروا لِيَسْتَيْقِنَ الذين أوتُوا الكتبَ ويَزْدادَ الذينَ ءَامنوا إيمناً ولا يَرْتابَ الذينَ أوتُوا الكتبَ والمؤمنونَ ولِيَقولَ الذينَ في قُلوبـِهِم مرضٌ والكفرونَ ماذا أرادَ اللهُ بِـهذا مَثلاً كَذلكَ يُضِلُّ اللهُ من يَشاءُ ويهدى من يَشاءُ وما يَعلمُ جُنودَ رَبِّكَ إلا هوَ وما هىَ إلا ذِكرى للبَشَرِكَلا والقَمرِوالَّيْلِ إذْ أدْبَرَوالصُّبحِ إذآ أسْفَرَ إنَّها لإحدى الكُبَرِنَذيراً للبَشَرِلِمَن شاءَ منكُمْ أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتأخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهينةٌإلا أصحبَ اليَمِينِفي جَنَّتٍ يَتَساءَلونَعنِ المجرِمينَ ما سَلَكَكُمْ في سَقَرَقالوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّينَولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسكينَوكُنَّا نَخوضُ مَعَ الخآئضينَوكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِحتى أتنا اليَقينُفَما تَنْفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعينَ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَكأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ بَلْ يُريدُ كُلُّ امْرِئٍ منْهُمْ أَن يُؤْتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً كَلا بَل لا يَخافونَ الآخِرَةَكلا إِنَّه تَذْكِرَةٌفَمَن شِاءَ ذَكَرَهُوَما يَذْكُرُونَ إلا أَن يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ المَغْفِرَةِ " صدق الله العظيم

   

سورة المدثر مدخل إلى الإعجاز العددي

(اقرأ باسم ربك الذي خلق ) هي أول ما نزل في النبوة، بل أول ما نزل مطلقاً. أما(يا أيها المدثر ) فهي أول ما نزل في الرسالة. جاء في ( البرهان )للزركشي أن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان المَلَك بتكليف خاص. والرسالة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان المَلَك بتكليف عام. وما يهمنا في هذا المقام سورة (المدّثر )، والتي هي أول ما نزل في الرسالة. وبما أن السورة لم تَنْزِل جملة واحدة، فإنها تسجل لحظات البداية، وما تبعها من تكذيب ومعاندة، ومحاولات لإبطال الحقيقة القرآنية. كما وتتحدث السورة عن الإخفاق الذي مُني به أهل الشرك في مجال الحجة، مما دعاهم إلى سلوك طريق المعاندة والإعراض شأن كل متكبر، وشأن كل من تطغى على عقله وقلبه الشهوات والمصالح، وشأن كل من يألف الواقع بسلبياته فينفر من كل تغيير وإن حمل الخير والبركة.هنا لا بد من صدمة التهديد والوعيد، لإسقاط الحواجز والحجب، ولا بد من الشعور بالخطر لاستنفار الطاقات، والخروج عن مألوف العادات والتقاليد، فكان التهديد بـ(سقر ) وهي جهنم التي لا تبقي على شيء : (لا تبقي ولا تذر )، والتي من شأنـها أن تحرق فتغير كل معالم الجمال المؤقت الذي يَغترّ به الذاهلون عن حقيقة الدنيا الزائفة : (لواحة للبشر، عليها تسعة عشر ). يقوم عليها (تسعة عشر ) من الملائكة، يحتمل أن يكونوا تسعة عشر فردا من هذه المخلوقات الكريمة، أو تسعة عشر نوعاً أو صنفاً لا ندري.

يقول سيد قطب في الظلال :( أما لماذا كانوا تسعة عشر - أياً كان مدلول هذا العدد - فهو أمر يعلمه الله الذي ينسق الوجود كله، ويخلق كل شيء بقدر ). هذا كلام مقبول وجميل، ولكن هل يعتبر العدد هنا من قبيل المتشابه الذي لا مطمع للإنسان في إدراك بعض حكمه ومراميه، أم أنّهُ الإشارة التي تطلق العقل البشري في اتجاه مفاتيح الكثير من المعاني والأسرار ؟ ! فالأصل أن يُعمل الكلام ولا يُهمل.

(عليها تسعة عشر، وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا … ): لقد فصّل القرآن الحديث حول هذا العدد اللغز : ( وما جعلنا عدتـهم إلا فتنة للذين كفروا ). ولا نريد هنا أن نتحدث عن معاني (جعل )، ولكن ببساطة نجد أن الآيات تنص على أن هذا العدد هو مجرد فتنة للذين كفروا، وإذا رجعنا إلى معنى كلمة ( فتنة ) نجد أن الفتنة في الأصل هي عملية تعريض خام الذهب للنار، من أجل تمييز الذهب عن باقي الشوائب بالصهر، وعليه تكون كل عملية يقصد بـها استخراج الصالح وتمييزه عن الطالح  (فتنة ). فالفئة المستهدفة إذن هي (معسكر الكفر). ومن شأن قضية (19) -كما نص القرآن الكريم - أن تكون (فرّازة ) تميز الصالح من غير الصالح. أمّا قول من قال من المفسرين بأن ذكر العدد (19) في الآية من شأنه أن يفتن المشركين من قريش بجعل المسألة موضعاً للبحث والهزء، فإن هذا القول يجعل الفتنة ذات نتيجة سلبية فقط، لا ينتج عنها خير، في حين أن للفتنة وجوهاً ونتائج ترتبط بحقيقة كل فرد تعرض لها، وما يعلم الله منه، وما يريد عز وجل، فيضّل الله من يشاء، ويهدي من يشـاء. أنظر قوله تعالى في سورة الأعراف على لسـان موسى عليه السـلام : ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ).

 (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانا، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون، وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ).

يقول مصطفى خيري في المقتطف من عيون التفاسير :  "هذا العدد إنما صار سبباً لفتنة الكفّار من وجهين :

1-يستهزئون ويقولون : لِمَ لَمْ يكونوا عشرين.  

2- ويقولون : كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من أول الخليقة إلى يوم القيامة، فمدار هذين السؤالين عدم الاعتراف  بكمال قدرة الله ". واضح أن هذا يتعلق بالكافر الذي يقوده منهجه الخاطئ إلى نتائج خاطئة، ولكن يبقى السؤال قائماً : كيف يمكن لهذا العدد أن يفرز معسكر الكفر، ليخرج منه من يؤمن فيكون في معسكر الإيمان؟

أما كيف سيكون هذا العدد، أو هذه الفتنة سبباً وعلةً ليقين أهل الكتاب ؟ فيقول أكثر أهل التفسير (( حيث يجدون ما أخبرنا به الله تعالى من عدّة أصحاب النار موافقاً لما ذكر عندهم )). فلا ندري كيف تكون المطابقة في معلومة مؤدية إلى يقين أهل الكتاب ؟ ونحن نعلم أن هناك مطابقة في قضايا مختلفة، وهناك اختلاف أيضا، وما الذي يمنع أن تفسر المطابقة أنها اقتباس ؟ وإذا كانت الموافقة في هذه المعلومة الصغيرة يمكن أن تؤدي إلى يقين أهل الكتاب، وإلى ازدياد الذين آمنوا إيمانا، فكيف يمكن أن تقطع دابر الريبة : (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ). وهل يعقل أن ينتج كل هذا عن المطابقة في معلومة تقول إن خزنة جهنم هم تسعة عشر ؟

( وليقول الذين في قلوبـهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بـهذا مثلا ): يذهب الكثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى ( ماذا أراد الله بـهذا مثلا ً) إلى أن هذا العدد مستغرب استغراب المثل.وذهب آخرون إلى أنّ المثل هو الوصف، أي : ما الذي يعنيه من وصف الخزنة بأنـهم تسعة عشر، فهذه العدة القليلة كيف تقوى على تعذيب أكثر الثقلين من الجن والإنس؟

ذهب الكثير من المفسرين إلى القول بأن هذه الآيات تخبر عما يحدث في المستقبل. ودعاهم إلى هذا القول أن السورة مكية ومن أوائل ما نزل، ثم هي تتحدث عن المنافقين (الذين في قلوبـهم مرض )، والنفاق لم ينجم إلا في المدينة، وهذا مقبول إلى حد، ولكن تفسير المثل على أنه الوصف مع صحته لم يحل الإشكال في الفهم، وسنحاول هنا أن ندلي برأي قد يساهم في تفسير الآية.

نقول :لو سألت يهودياً أو نصرانياً عن أدلة وجود الخالق لوجدته يقدم الأدلة بمنهجية المسلم تقريبا، وهي منهجية تخالف منهجية الملحد.ولو سألت يهودياً أو نصرانيا حول النبوّات والغيبيات لوجدته كذلك يدلل بمنهجية تشابه إلى حد منهجية المسلم، إذ الخلاف ليس في الإيمان بالغيب، وفي الفكرة الدينية، بل في مطابقة الإيمان للواقع أو عدم مطابقته، وهو خلاف أيضاً في تفصيلات الشريعة، ومن هنا لا يتجادل المسلمون وأهل الكتاب في وجود الخالق، بل في صفاته وأفعاله وأحكامه وشرائعه. أما أهل الكفر والنفاق فينكرون الفكرة الدينية من أساسها، ويجعلون المادة المحسوسة غاية الغايات، ونـهاية النهايات.

والآن لنعد إلى تفسير قوله تعالى : (وليقول الذين في قلوبـهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بـهذا مثلا ً) :لقد ذكر العدد (19) في معرض التهديد بـ(سقر )  وأنه يقوم عليها ( تسعة عشر )، ولا بد أن يستشكل الناس الأمر، إذ لو وصفت النار بأنـها (محرقة ) لفهم ذلك، لان لدينا المثل على الإحراق في الدنيا، وإن اختلف في طبيعته عن الإحراق الأخروي، حيث يمكن للمثل الدنيوي المحسوس أن يجعلنا نفهم المقصود بالتهديد.وكذلك الأمر لو قال (مؤلمة )، لأن لدينا المثل الدنيوي، فقد خبرنا الألم ونعرفه. ولكن عندما يهددنا بـ ( تسعة عشر ) فهذا لا مثل له، لأن التهديد بالعشرين أعظم من التسعة عشر. ثم ما الفرق بين السبعة عشر والتسعة عشر ؟!

يقول الزمخشري في الكشاف موضحاً ذلك "فيراه المؤمنون حكمة، ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيمانا، وينكره الكافرون ويشكون فيه، فيزيدهم كفراً وضلالاً ". وقال الكعبي : " المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الله الخالق سبحانه".كلام الزمخشري والكعبي مقبول وجميل. والذي نراه أن منهج الذين يؤمنون بالفكرة الدينية، وبالأمور الغيبية، وبالوحي السماوي، يقتضي أن يبحثوا عن حكمة ذكر هذا العدد، وعن حكمة كون القوى القائمة على أمر  جهنم هي تسعة عشر، فالأمر على ما يبدو يتعلق بسنة كونية، والأصل أن نُعمل عقولنا مع تسليمنا بقصور العقل البشري،  فالقرآن وسّع من أفق المؤمن، وصوّب منهجية التفكير لديه، ودعاه إلى التفكر والتدبر.وليس هناك  ما يدعونا إلى اعتبار القضية المطروحة من القضايا التي لا يعمل في فهمها العقل البشري.

يقول محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير : "فالله جعل عدة خزنة النار تسعة عشر لحكمة أخرى غير ما ذكر هنا، اقتضت ذلك الجعل، يعلمها الله". نقول : لا شك أن الحكمة يعلمها الله، ولكن هل هي مما استأثر بعلمه ؟؟ يقول ابن عاشور:     ((وتلك العدة المجعولة لفوائد أخرى لغير الذين كفروا، الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم الله وإلى تدبر مفيد )). لاحظ قوله "وإلى تدبر مفيد". فاعتقاد المؤمن بأن القرآن الكريم هو كلام الله العليم الحكيم، يجعله يقف الموقف الإيجابي، فيعمل عقله، ويتدبر آيات القرآن، وآيات الكون المخلوق، لعلمه بأن الله أنزل، وبأن الله خلق. ومن هنا لا يصح أن نسارع إلى تفويض علم ذلك إلى الله تعالى ونقطع الأمل في إمكانية إعمال العقول في مثل هذه الكنوز والأسرار.ولا يتناقض سعينا إلى العلم والمعرفة مع تسليمنا بقصور العقل البشري عن إدراك كل الحقيقة، بل إن الزيادة في المعرفة البشرية لهي الدليل القاطع على قصوره الدائم. ثم أليس التدبر من واجبات المسلم الأساسية   ؟

أصحاب المنهج الإيماني تقودهم منهجيتهم إلى الوصول وإدراك الحكمة. أمّا أصحاب المنهج الإلحادي فيدورون في حلقة مفرغة لا توصلهم إلى فهم صحيح. فالمقدمات عندهم لا تقودهم إلى نتائج، بل تجعلهم يتساءلون عن مفهوم العدد (19) ولماذا لا يكون العدد (20)، بل لماذا لا يكون العدد (1000)؟؟ …وهكذا من غير نتيجة.

 (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ).هذا التعقيب يدل على أن الفتنة يقصد بـها فرز الناس وتمييزهم، أنظر قوله تعالى : (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا  وليعلمنّ الكاذبين ). ويبقى السؤال قائماً : كيف سيكون العدد (19) فتنة يخرج من رحمها اليقين ؟؟

( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) : يقول الزمخشري : "فلا يعز عليه الزيادة على عدد الخزنة المذكور، ولكن في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها". ويقول الرازي : "وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في العدد حكمة لا يعلمها الخلق، وهو جل جلاله يعلمها".

(وما هي إلا ذكرى للبشر ): يقول أبو بكر الجزائري في "نـهر الخير على أيسر التفاسير" :  "جائز أن يكون الضمير (وما هي ) عائداً إلى عدة الملائكة التسعة عشر، وجائز أن يكون عائداً  إلى الآيات القرآنية، أو إلى سقر، أو إلى جنود ربك. وهذا من الإعجاز القرآني، وإن الكلمة الواحدة تدل على ما لا يدل عليه عشرات الكلمات". وعن النسفي : (وما هذه الآيات إلا ذكرى للبشر). ويقول الرازي : "انه عائد إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابـهات، وهي ذكرى لجميع العاملين، وان كان المنتفع بـها ليس إلا أهل الإيمان )). ويقول طنطاوي جوهري في (الجواهر) : "أي ما هذه السورة المشتملة على سقر وعدة الخزنة..إلا تذكرة لهم " . ويقول ابن عاشور :   "وضمير هي راجع إلى عدّتـهم". أمّا القاسمي فيقول : "وما هي أي عدتـهم المذكورة (إلا ذكرى للبشر ) أي عظة …وقيل الضمير لـ(سقر )، وقيل للآيات، والأقرب عندي هو الأول لسلامته من دعوى كون ما قبله معترضا، إذا أعيد الضمير لغيره، ولتأييده لما قبله بالمعنى الذي ذكرنا ".

أقول : إذا كان الضمير يعود إلى (سقر ) فمفهوم معنى أنـها ذكرى للبشر، وإذا كان الضمير يعود إلى الآيات فمفهوم أيضا، وإذا كان الضمير يعود إلى (عدّتـهم ) وهو الظاهر، وهو ما رجحه القاسمي، فكيف يكون العدد (19) ذكرى للبشر ؟؟

بعد هذا الاستعراض السريع لمعاني الآيات الكريمة نخلص إلى الآتي:

1- لم يجعل القرآن الكريم عدداً من الأعداد  موضوعاً يفصل الحديث فيه إلا العدد (19).

2- إن الله تعالى جعل العدد (19) فتنة للذين كفروا، وهذه الفتنة تؤدي إلى نتائج أربع:  

 أ-تحقق اليقين لدى أهل الكتاب بأن محمداً عليه السلام رسول من الله.

ب-زيادة إيمان المؤمنين.

ج- ألاّ يعود هناك أدنى ريبة لدى أهل  الكتاب، ولدى المؤمنين، وهذا يعني أن الدليل الذي يحصل به اليقين غير قابل للنقض.

د- بقـاء مدلــول هذا العدد (19) مستغلقا على أهل الكفروالنفاق، فلا تتحصــل لديهم النتيجة المرجوة، لوجود الخلل في منهجيتهم في البحث والاستـدلال، ولفساد قلوبهم، وبالتالي لا تتحصل لديهم المعرفة المؤدّية إلى الاعتبار.   

3-من يقرأ الآيات الكريمة يشعر أنه أمام قضية كبيرة ( إحدى الكبر ).

4-في القرن أل(19) ظهرت في إيران فرقة تسمى (البابّية )، وكان أول من تبع الزعيم المسمى( الباب ) ثمانية عشر شخصا، وعليه يكون المجموع (19).وبعد مقتل (الباب) تحولت البابية إلى ما سمّي( البهائية ) وأصبح من مبادئها تقديس العدد (19)، بل قسموا السنة إلى (19) شهرا، وجعلوا الشهر (19) يوما، وجعلوا الأيام المتممة للسنة لفعل الخير بمفهومهم. وقد اعتبرت البهائية فرقة  خارجة عن الإسلام، ومن هنا نجد أن الكثير من علماء المسلمين يقفون موقف الشك والتردد من قضية العدد (19)  ، وفي ظني أنه لا مسوغ لمثل هذا الموقف لأننا سنجد أن القضية استقرائية تتعلق ببنية الحروف والكلمات، ولا يجوز أن يكون موقفنا ردة فعل لأوهام البعض  وقد جعل القرآن الكريم من هذا العدد فتنة للذين كفروا.

5- رشاد خليفة، مصري، بـهائي، أقام في الولايات المتحدة، وقد أخرج في أواخر السبعينات بحثاً يتعلق بالعدد (19) في القرآن الكريم، وفي البداية تلقى الناس البحث بالقبول لعدم معرفتهم بأنه ملفّق، وأنّ القائم عليه بـهائي مغرض، ثم ما لبث رشاد خليفة أن ادعى النبوة مستنداً إلى العدد (19)، وقد تزامن ادعاؤه هذا مع اكتشافنا بأن بحثه ملفق ومزوّر.ويجد القارئ تفصيل ذلك في كتابنا : (إعجاز الرقم 19 في القرآن الكريم، مقدمات تنتظر النتائج ).

كان لبحث رشاد خليفة الملفق، ولمسلكه في ادعاء النبوة الأثر السلبي على قضية الإعجاز العددي، وكأن الذين سُرُّوا للبحث وأعجبوا به أدركوا فيما بعد أنهم خدعوا، فكانت لهم ردة فعل تجاه هذه القضية، مع  أن المسألة لا علاقة لها بالبهائية، ولا برشاد خليفة، بل إن القرآن كما هو واضح نَصّ على خصوصية هذا العدد، وكونه فتنة للذين كفروا، ويقيناً لأهل الكتاب الذين يبحثون عن الحقيقة  ، وزيادة لإيمان المؤمنين. والملحوظ أن قضية هذا العدد (19) لم تكن مطروحة في عصر من العصور كما هي اليوم، ويمكن اعتبار ذلك نبوءة من نبوءات القرآن الكريم. ويبدو أن فهمنا لهذا العدد اللغز سيتطور في اتجاه إيجابي يساهم في تحقيق اليقين وزيادة الإيمان في عصر أحدث الناس فيه شكوكاً وطلبوا المزيد من الأدلة والبراهين.

لا داعي لأي موقف سلبي من قضية الإعجاز العددي، وان كان التحقق مطلوبا، ويمكننا اليوم أن نتحقق من أية معلومة -وهذا ما فعلناه في بحوثنا - كما ويمكن الحكم على دلالة أية مسألة، ثم إن الموقف السلبي قد يحرمنا من وجه عظيم من وجوه الإعجاز القرآني له انعكاسات إيجابية على المستوى الإيماني، وعلى مستوى الدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم، وعلى مستوى تفنيد الشبهات التي تثار حول القرآن ونزاهته وإعجازه. أمّا البهائية فبطلانها بيّن وانحرافها واضح، ولا يسعفهم العدد (19) في ترويج فكرتـهم ومعتقداتـهم، بل إن حتفهم سيكون فيما  قدسّوا، فقد بدأت القضية فتنة للذين كفروا من البهائيين وغيرهم، وها نحن نعاصر انبعاث اليقين من رحم الفتنة، وها هي تجليات هذا الإعجاز تشهد بنـزاهة القرآن الكريم عن التحريف والتبديل، وها هي حقائق العدد ترسّخ اليقين وتزيد الإيمان، وإن مقدمات هذه المسألة لتبشر بخير عميم.

إذا كان العدد (19) ذكرى للبشر كما نصّ القران الكريم، فإن ذلك يعني أن البشر سيصلون عن طريق هذا العدد إلى اليقين الذي هو ذكرى وعظة وحجة. فالأقـرب إلى العقل والمنطق أن نقول إن ذلك سيكون عن طريق الإعجاز العددي القائم على أساس العدد(19)، على اعتبار  أن اليقين لا يتحصل إلا عن دليل قاطع، ولا شك أن المعجزة هي دليل قاطع.ومن الأمور التي ترجح ذلك وتؤكده ما نجده في البنية العددية  لسورة المدثر، والتي تتلخص فيما يلي:

1- الآيات في سورة المدثر قصيرة جدا، عدا آية واحدة هي طويلة بشكـل لافت للنظر، وهي الآية  (31 ) التي تتحدث عن حكمة تخصيص العدد (19).

2- تتكون هذه الآية من (57) كلمة، أي (19×3).

3- تنقسم هذه الآية إلى قسمين : القسم الأول يتكون من (38) كلمة، أي (19×2) وهو القسم الذي يتحدث عن حكمة تخصيص العـدد (19) بالذكر، وينتهي عند قوله تعالى (ماذا أراد الله بهذا مثلا ً). أما القسم الثاني فيتكون من (19) كلمة هي تعقيب على ما ورد في القسم الأول :  (كذلك يضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وما هي إلا ذكرى للبشر ).

4- عدد كلمات أول (19) آية من سورة المدثر هو (57) أي (19×3) وبـهذا يتضح أن عدد كلمات الآية (31) من سورة المدثر يساوي عدد كلمات أول (19)آية.

5 - من الآية (1-30) أي إلى نهاية قوله تعالى : ( عليها تسعة عشـر ) هناك (95) كلمة، أي (19×5).

6-  الآية (30) تتكون من ثلاث كلمات( عليها تسعـة عشر )، وبذلــك يتضح أن الآية (31) التي تتحدث عن حكمة تخصيص العدد (19) تساوي (19) ضعفاً لقوله تعالى ( عليها تسعة عشر ).

7- عدد الأحرف من بداية سورة المدثر حتى نهاية كلمة ( عليها )، أي قبل قوله عزّ وجل (تسعة عشر ) هو (361) حرفا، أي (19×19) فتأمل !!

8- (تسعة عشر ) تتكون من ( 7) أحرف، وعلى ضوء المعلومة السابقة، يتبين أن الحرف الأوسط في هذه الجملة هو الحرف (365) من بداية سورة المدثر، وهو عدد أيام السنة، فهل لذلك علاقة بعالم الفلك ؟!

9-( كلا والقمر، والليل إذ أدبر، ، والصبح إذا أسفر، إنـها لإحدى الكبر، نذيراً للبشر ) لماذا كان القسم بالقمر، والليل، والصبح. أو بمعنى آخر بالقمر، والأرض، والشمس ؟! فهل لذلك علاقة بالعـدد (19)؟ في الحقيقة نعم، فهناك أكثر من علاقة قائمة بين الشمس الأرض والقمر تقوم على أساس العدد (19) وليس هذا مقام تفصيل ذلك.

10-الآية (31) هي (57) كلمة، أي (19×3)، وهي آخر آية في ترتيب المصحف عدد كلماتها (19) أو مضاعفاته.

11-في الآية (31) المذكورة جملة معترضة : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) هي عبارة عن (19) حرفا. ألا يصح أن يكون الإعجاز العددي "من الجنود" المشار إليها في الآية ؟ كيف لا والنصر للفكرة هو الهدف حتى عند تجييش الجيوش ؟!

12-آية المداينة هي أطول آية في القرآن الكريم، عدد كلماتـها(128) كلمة، وهذا يعادل (6) أضعاف متوسط عدد كلمات الآيات في سورة البقرة، وهي أعلى نسبة في القرآن الكريم عدا الآية (20)من سورة (المزّمل) وهي السورة التي تسبق سورة ( المدثر )، فإن عدد كلماتـها (78) كلمة، وهذا يعادل (7,8) ضعفاً لمتوسط عدد كلمات الآيات في سورة ( المزمّل ). أما الآية (31) من سورة (المدّثر ) والتي نحن بصدد الحديث حولها، فإنها تعادل (12,5) ضعفاً لمتوسط عدد كلمات الآيات في سورة (المدّثر)، وهذه النسبة تجعلها أطول آية في القرآن الكريم من هذه الحيثيّة.

فما معنى أن يكون عدد كلمات أول (19) آية من سورة المدثر هو (19×3)، وعدد كلمات أول (30) آية، أي حتى قوله تعالى ( عليها تسعة عشر ) هو(19×5) ؟! وما معنى أن يكون عدد الأحرف من بداية سورة المدّثر حتى قوله تعالى ( عليها ) هو (19×19) ثم يذكر العدد  (تسعة عشر ) ؟!ما معنى أن تكون الآية (31) التي تبين حكمة تخصيص العدد (19)، والتي هي أطول آية في القرآن نسبيا، مكونة من (19×3) من الكلمات، وتنقسم إلى (19×2) + (19) ؟! وما معنى أن يساوي عدد كلماتـها عدد كلمات أول (19) آية، وتكون (19) ضعفاً لقوله تعالى :

( عليها تسعة عشر ) ؟! ثم لماذا هي آخر آية في المصحف تتألف من العدد (19) أو مضاعفاته ؟! وما معنى أن يتم الحديث حول العدد (19) في أول ما نزل في الرسالة ؟! وما معنى أن يكون هذا العدد (19) هو العدد الوحيد في القرآن الكريم الذي يُتَّخذُ موضوعاً يُفصَّل الحديث فيه ؟!  ثم ما معنى أن يقسم الله تعالى بالقمر والأرض والشمس، على أن هذه القضيّة هي إحدى الكبر ثم نجد عدة علاقات بين هذه الأجرام تقوم على أساس العدد (19) ؟!

ألا تجعل هذه الملاحظات تفسير الآية (31) أكثر وضوحا، وأعمق دلالة، وأعظم إعجازاً  ؟! وكيف بنا وقد تجلت حقائق هذا العدد وتواترت ؟! وما كتابنا: ((إعجاز الرقم (19) في القرآن الكريم مقدمات تنتظر النتائج )) إلا مقدمة لهذا الموكب المهيب الذي يطغى بتجلياته، ليدرك الجميع أن تفاهات البهائيين، وتردد الطّيّبين، لن يغني من الحق شيئًا.

طبـاعة