:: الردّة ::

      بقلم: بسّام جرار

 

        قبل أكثر من (1400) سنة كان نزول الإسلام على محمد صلى الله عليه و سلم  ، ومن أساسيّات هذا الدين الربّاني أنه جاء للبشرية جمعاء ، إلى يوم القيامة . من هنا كان الإسلام ناسخاً لكل الرسالات السابقة ، لأنه كان كل رسول يبعث إلى قومه خاصة ، وبعث محمد عليه السلام إلى البشرية عامّة . لذا جاء القرآن الكريم معجزة فكرية لتكون البرهان على صدق النبوة في كل زمان ، في حين أنّ معجزات الأنبياء السابقين كانت حسيّة ، وهذا يشهد بأنها محدودة في الزمان والمكان . وإذا كان يصح في العقل أن تتعدد الرسالات عندما تكون خاصّة، فلا يعقل أن تتعدد الرسالات العامّة عندما يكون المرسِل هو الله الواحد .

        الدارس للتاريخ الإسلامي يجد أنّ الدولة الإسلامية بادرت إلى تصحيح الأوضاع الظالمة في الكرة الأرضيّة ، وهذا نتيجة ضرورية لرسالة عامّة ، ومن هنا وجدنا أنّ الجيوش الإسلامية تقتحم الحدود ، ولا تعترف بسلطان الظالمين ، وهذا  يؤكد عالمية الإسلام . وفي الوقت الذي كانت تنجح فيه الجيوش الإسلاميّة في إسقاط عروش الظالمين ، المتسلطين على رقاب النّاس ، الذين يفرضون ما يشاءون من العقائد والشرائع ، كنا نجد أن هذه الجيوش تبدي من التسامح الديني ما لم يكن متوقعاً ، على خلاف ما كان معهوداً لدى البشرية جمعاء ، بل لا يزال الناس إلى يومنا هذا قاصرين عن تحقيق واقع من التسامح الديني الحقيقي . لا نظن أن هذا التسامح الذي تميّزت به الدولة الإسلاميّة نابع من موقف قيادة أو أخرى ، في عصر أو آخر ، بل هي قناعات أملتها نصوص القرآن والسنّة ، حتى أصبحت نوعاً من الإيمان . ليس عجيباً أن يمارس الملحدُ تسامحاً دينياً لأنّه لا يؤمن بالدين أصلاً ، وليس هناك ما يدعوه إلى التعصب الديني ، ولكن العجيب أن يكون المتسامح مؤمناً راسخ الإيمان ، ويزول العجب عندما يكون التسامح من أساسيّات هذا الإيمان الراسخ.

        شهد القرن العشرون صراعاً بين فلسفتين وعقيدتين بعيدتين عن الدين ، هما الشيوعية والعلمانيّة الرأسماليّة ، ولا نظن أن عصراً من العصور شهد تعصباً كما كان الأمر بين الشيوعية والعلمانية . وقد بالغت الشيوعية في نفي الرأي الآخر إلى درجة غير مسبوقة تاريخياً ، ووجدنا أن التعصب يلبس ثوب الفلسفة والعلم . ولم يقتصر الأمر عند الشيوعيين على حظر أي فكرة مخالفة ، بل تعداه إلى الملاحقة والاجتثاث بشكل عنيف ودموي . في المقابل وجدنا أن العلمانيّات لا توفر الحماية للفكرة الدينية وتسمي ذلك تسامحاً ، ثم هي ترفض بشدّة كل ما هو غير علماني ، بل وتلاحقه بأساليب  مختلفة ، فكان على رأس الملاحقين في أمريكا مثلاً الحزب الشيوعي والفكرة الشيوعيّة . ولا يقبل في المجتمعات العلمانية أي طرح من شأنه أن يزعزع الفلسفة الرأسمالية .

        قد يكون من المفهوم أن يمارس الدين الرفض لكل فكرة تتناقض مع أساسيّاته باعتباره ربّاني المصدر . وأن هذا الرب العليم الحكيم لا يخطئ ، وهو أعلم بما يُصلح خلقه، ثم تكون هذه المقالة المدخل لفرض ذلك على النّاس . ولكن كيف يقبل من فلسفة تقّرُ بأنها بشرية المصدر أن تزعم لنفسها العصمة ، ثم تمارس التضييق والملاحقة لكل فكرة تخالفها ، بل تمارس الاجتثاث لكل من لم يؤمن بها ، كما حصل في الفلسفة الماركسية ، المسمّاة الاشتراكية العلميّة ، وكما يحصل في العلمانيات اليوم والتي تختلف في درجة رفضها للأخر من علمانية إلى أخرى . لقد أثبت الواقع التاريخي أنّ الإسلام وقبل (1400) سنة قد استطاع أن ينتزع من قلوب أتباعه دوافع الرفض للآخرين الذين يخالفون في الدين والاعتقاد، وجعلهم الأكثر تسامحاً في التاريخ البشري ، كيف لا وقد جاءت الشريعة الإسلاميّة بتنظيم العلاقة مع المخالفين ، وأصبحت هذه العلاقة من مفردات الشريعة الإسلاميّة ، أي إن الإسلام أشعر أتباعه منذ البداية أن المخالفين واقع حتمي لا بد من التعامل معه ، وفرق في ذلك بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة ، وأخّر الحكم هذا إلى اليوم الآخر ، وجعله لله العادل دون غيره ، كل ذلك جعل المسلمين الأقدر على تفهم واقع التنوع والاختلاف دنيوياً .

        الإسلام الذي تميّز على غيره في التعامل مع المخالفين ، هو الذي شرّع حد الردّة ، الإسلام الذي حرّم إكراه الآخرين على ترك دينهم، هو الذي يقيم الحد على المرتد عن الإسلام . جاء في الآية 99 من سورة الحجر :" ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " وعلى الرغم من ذلك نجد أنّ الإسلام يحظر على المسلم تغيير دينه ، في الوقت الذي لا يحظر على الآخرين تغيير دينهم ، بل يدعوهم إلى ذلك، ولكن لا يجبرهم ، فما معنى ذلك ؟

        اللافت للانتباه أن عقوبة المرتد عن الإسلام هي من عقوبات الحدود والتي تنحصر في الجرائم الآتية : الزنا،والقذف،والسرقة،وقطع الطريق،وشرب الخمر،والبغي،والردّة . وقد عرّف العلماء الحدود بأنها عقوبات ثبتت حقّاً لله تعالى ، وهذا يعني أنها من حقوق المجتمع ، أو ما يسمّى بالحق العام . واللافت للانتباه أن هذه الجرائم تمس بنيان المجتمع ثم هي قابلة للانتشار ، انظر مثلاً إلى جريمة الزنا التي اعتبرها الغرب العلماني من الحريّات الفردية ، ما لبثت أن انتشرت انتشاراً هائلاً ،ونشأ عنها مشكلات اجتماعية لا حصر لها ، بل هي مشكلات غير قابلة للحل وفق الواقع الغربي ، مثل تفكك الأسرة ، والأعداد الهائلة من اللقطاء ، والأمراض الجنسية المستفحلة … وهذا يعني أن العلمانية أخطأت عندما اعتبرت أن الزنا من الحريّات الفردية ، لأن حرية الفرد يجب أن تكون فيما لا يتناقض مع مصلحة المجموع ، ولا نبالغ إذا قلنا أن أخطر ما يهدد المجتمعات الغربية هو المشكلات المتولدة عن الحرية الجنسيّة .

        إذن الإسلام لم يعتبر مسألة الردّة مسألة فرديّة ، بل اعتبرها من المسائل المتعلقة بالمجتمع ، فجعلها حقاً عاماً ، أي أن الإسلام يجعل من أولوياته حماية عقيدة الأمّة التي يعتبرها العقيدة الربانيّة الحقّة،والتي جاءت لإنقاذ البشرية من التخبط والانحراف . ومعلوم أن الإسلام عقيدة وشريعة، وليس مجرد عقيدة ، أي أنه إيمان وعمل ، وليس بفلسفة نظرية ، ولا مجال لانفكاك الجانب العقائدي في الإسلام عن الجانب التشريعي . وفي هذا المقام قد يحسن أن أنقل اعتراضاً لمحاضِرة في جامعة فلسطينيّة على تسامح الإسلام     قائلة :" إذا كان الإسلام هو الدين الحق، فلماذا لم يجبر الناس على اعتناقه، ولماذا لا يكرههم ما دام ذلك في مصلحتهم ؟! " في المقابل نجد بعضهم يقول :" لماذا شرّع الإسلام حد الردّة ؟!" وسبق أن أشرنا إلى التناقض الواضح بين موقف الماركسية والعلمانية من مسألة الحريّات ، وهذا يعني أن البشر لا يزالون يتخبطون في موقفهم من حرية الفرد الذي يعيش في مجتمع.

        العجيب أن الكثير ممن ينتقدون حدّ الردة هم من الماركسيين السابقين ، ويَلحظ ذلك طلبة الجامعات الفلسطينية ، إذ كيف يستطيع الفرد منهم أن ينتقل هذه النقلة الكبيرة من النقيض إلى النقيض ، فبعد أن كان يكفر بالحريات ويمارس الإكراه ،نجده يطلب أن لا تكون هناك قيود على أي شيء ، وكأنّه يتبرأ من ماضيه بالتطرف .

كثيراً ما نسمع عن القناعات ، وضرورة أن يتبنى الإنسان ما يقتنع به ، وهذا شيء جميل ومثالي ، ولكن الدارس لتاريخ البشريّة قديماً وحديثاً يدرك أن إيمان الشعوب وقناعاتها غالباً ما تؤخذ بالوراثة ، من غير تمحيص ، وغالباً ما نجد أن القلب هو الذي يختار وليس العقل ، بل إن العقل يتأثر بشدة بالقلب ، والعقل يشبه المصباح الذي يضيء لك الطريق ، ولكن العبرة بمن يوجّه هذا المصباح،فيضيء له حيث يشاء . من هنا نجد أن الإنسان يتأثر بأفكار محيطه الاجتماعي ، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين تربطه بهم رابطة القرابة والمحبة والتقدير والاحترام ، وإلا قل لي : هل الأغلبية العظمى من البريطانيين أخذت الكاثوليكية عن قناعة ودراسة وتمحيص ؟ هل الغالبية العظمى من اليهود تفتخر بيهوديتها لأن عقولهم أوصلتهم إلى هذه القناعات ؟ هل الغالبية العظمى من الباكستانيين أخذوا الإسلام عن قناعة ودراسة، وبعد أن أدركوا خطأ تبني الهنود للهندوسية؟

        عندما انهارت الشيوعية وجدنا أن الغالبية من الروس قد رجعت إلى الأرثوذكسية ، ورجع المسلمون بقوة إلى إسلامهم ، وفي يوغوسلافيا رجع الكروات إلى الكاثوليكية ، ورجع الصرب إلى الأرثوذكسية ، ورجع البوسنيون إلى الإسلام . هذا هو واقع البشر في غالبيتهم العظمى ، حتى الفلاسفة يغلب عليهم وعلى أدلتهم عقائد آبائهم . لا يعني كل هذا أن الإنسان مجبر في اختيار عقيدته ، لا يستطيع أن يُحكّم عقله ، فواقع البشرية يدل أيضاً على أنّه بالإمكان إحداث تغيير جذري،وإلا كيف وُجد اتباع للمسيحية بعد ظهور المسيح عليه السلام ،وكيف وجد مسلمون بعد ظهور محمد  r حتى بلغوا اليوم ما يقارب 1.6 مليار نسمة ؟ لكن أردنا أن نقول هنا إن الغالبية العظمى من الناس لا تستطيع أن تختار بعقولها كما يختار الفلاسفة والمفكرون ، وفي أعظم دول العالم نجد أن الرأي العام يتم صناعته من قبل المتنفذين في السياسة والإعلام . والقول بحرية الاختيار هو شكل بعيد عن الجوهر والحقيقة .

        هنري الثامن ينفصل عام 1535م عن الكنيسة الكاثوليكية فتنفصل معه بريطانيا ، وفي القرن العشرين تنتصر الشيوعية في عدة أقطار فتحول شعوبها إلى الماركسية ، ولو كانت الماركسية ديناً يوصل إلى الله لنجحت في تحويل هذه الشعوب ، كما نجحت الأديان سابقاً،ولكن الفكرة المادية غير قابلة للاستمرار، لأنها تُفقد كل شيء معناه ، ولا تستطيع أن تعطي الإجابة عن الأسئلة الأساسية في حياة البشرية : لماذا نعيش ؟ لماذا نضحّي ؟ لماذا القيم والأخلاق …..؟

        إن الذي يزعم أنّ الإنسان يجب أن يختار بعقله فقط يطلب ما هو صحيح ، ولكنه مثالي يعيش في عالم الخيال،ولا يعرف عن أي شيء يتحدث،ولا نستطيع أن نزعم أن الفكرة الناجحة هي الفكرة الصحيحة ، فقد نجحت الشيوعية في أكثر من بلد واستطاعت أن تبني دولاً عظمى ، فكانت فكرة فعّالة ، ولكن حتفها كان في كونها خاطئة ، ولم يتم اكتشاف خطأ هذه الفكرة الحيويّة والفعّالة إلا بعد أن دفعت الشعوب ثمناً غالياً، من دمائها وعقيدتها،وفكرها،واقتصادها،فهل يعزّيها اليوم أي اعتذار مهما كان بليغاً نقول هذا لنؤكّد أن الإسلام يرى أنّه لا بد من حماية أساسيات العقيدة الإسلاميّة ، وهو يقدم مصلحة الأمّة على رغبة فرد قد يريد أن يجهر بفكرة  تصدم مشاعر الناس ومقدّساتهم . وإذا كان الغرب العلماني لا يهتم بالدين ابتداءً فهل يتوقع منه أن يحميه ؟! ولكن من قال إن العلمانيات لا تحمي أساسيات العلمانية ؟!إن من البدهي أن يحمي كل نظام أساسيّاته ومقدّساته ، ولم يشذ في ذلك مجتمع قديم أو معاصر .وإن اختلفت المجتمعات فيما هو مقدّس وتجب حمايته .

        لماذا القانون ؟ لماذا السجون ؟ لماذا العقوبات ؟ نعم لماذا نعاقب من يخالف القانون؟ ماذا لو كان الذي يخالف القانون إنما يخالفه عن قناعة ؟ ولنأخذ الشذوذ الجنسي كمثال : هب أن فيلسوفاً اقتنع  بأن الشذوذ الجنسي حريّة شخصيّة ، وأراد أن يمارس ذلك في دولة علمانية يحظر قانونها الشذوذ والدعوة إليه ، فهل يسمح له بذلك ؟ وإذا لم يسمح له فأين الحرية ؟ وٍمَن أخطر الممارسة أم الدعوة النظريّة إلى الممارسة ؟ في الحقيقة أن الممارسة أقل خطراً من الدعوة النظرية ، لأن الممارسة تجعل الأضرار محصورة في شخصين أو أكثر ، ولكن الدعوة النظرية توشك أن توجد القناعات ، وأن تهدم الحواجز النفسية ، فتتحول الممارسة إلى تيار ، فالأولى التشدد مع الفكرة النظرية أكثر من الممارسة العملية ، من أجل حماية المجتمع من مرض يمس عقيدة الناس وأخلاقهم . ما يقال في الشذوذ الجنسي يقال في أي فكرة أخرى ، ولا داعي للفصل بين السلوك والفكرة لأن الفكرة أخطر وأشد ضرراً . والعجيب أن الذين ينتقدون حد الردّة باعتباره يقمع الحريّة الفرديّة، يعلمون أنّ القوانين في كل العالم تحظر الكثير من الممارسات ، ولا شك أن إعلان الفكرة هو نوع من الممارسة . ثم هم يستنكرون أن يحمي الإسلام أساسيات العقيدة ، ويزول العجب إذا علمنا أنهم لا يقيمون وزناً للدين والعقائد الدينيّة، ومن هنا جاء استنكارهم . ثم هم يعلمون أن العلمانيّات جاءت لتقصي الدين ، وتبعده عن الحياة ، ثم هم يزعمون أن ذلك من التسامح الديني، وهذه مغالطة ، لأن التسامح الديني لا يكون إلا ممن يؤمن بالدين بعمق ، ثم هو يتسامح مع المخالف ، أما الذي يعادي الدين فلماذا لا يكون معنياً بفوضى تقوّض أساس الدين . وإذا أردنا أن نختبر تسامحهم، فلننظر إلى موقفهم ممن يعمل على تقويض أسس النظام العلماني. وقد يكون من المناسب هنا أن نذكر الطرفة القديمة التي تقول إنّ أمريكياً افتخر أمام شيوعي بأنه يستطيع أن يشتم كندي الرئيس الأمريكي حينذاك في ساحات البيت الأبيض ، فرد الشيوعي الروسي بأنه هو أيضاً يستطيع أن يشتم كندي في الساحة الحمراء في موسكو .

        ماذا لو اكتشفت دولة ما خليّة تُنظّرُ فكرياً لخيانة الوطن ، لأن هذا الوطن - ولنقل إنّه أمريكيا - قام على أسس غير عادلة ، ولأنه  ظلم الهنود الحمر واجتثّتهم . نعم ماذا سيفعل القانون ؟ سبق لأكثر من شيوعي أن تجسس لصالح روسيا على بريطانيا ، أو فرنسا، أو أمريكا، إيماناً منه بالقيم الماركسيّة ، ماذا فعلوا بهم ؟ من قال إن الوطن أو أي شيء آخر أهم من الدين ؟! وإذا كان الوطن بحاجة إلى حماية، فالدين من باب أولى ، لأن الدين هو الذي يعطي كل شيء معناه ، وهو الذي يجعل الحياة مبررة، وهو الذي يجعل للقيم والأخلاق معنى ، وهو الذي يجعل التضحية من أجل الوطن والمبدأ شيئاً إيجابياً وإذا فقدنا الدين فعندها سنفقد مبرر الوجود . ويصبح كل شيء بلا معنى  .

 

العالم الجديد

1.بعد سقوط الشيوعية في روسيا ، وبعد قيام نظام ديموقراطي ، أفرز برلماناً  روسيّاً ، وجدنا أن هذا البرلمان أصدر قانوناً ينص على حظر التبشير بأي دين لم يكن موجوداً قبل ثورة 1917م . لماذا ؟ ! لا بد أن لديهم إجابات، ومن المتصوّر أنّهم أرادوا حماية الأرثوذكسيّة ، لأن الروس في حالة من الفقر والحاجة، ويمكن استغلال حالة عدم التوازن ، والفراغ الفكري، لصالح جماعات تبشيرية تملك المال ، وبالتالي تستطيع أن تؤثر في المدرسة ، والمستشفى ، والصحيفة …والغالبية العظمى من أي شعب لا تملك القدرات الفكرية التي تمكنها من الاختيار الحقيقي.

2.أول دولة علمانية عرفها العالم ، ألا وهي فرنسا ، لا تطيق أن ترى قلة من الفتيات المسلمات يلبسن غطاء الرأس ، وليس غطاء الوجه ، ويكون التدخل من أعلى سلطة في الدولة .لماذا ؟ قالوا لأنّ هذا نوع من التبشير الديني الصامت. والسؤال : لنفرض أن هذا صحيح فما الخطأ في ذلك ، في دولة علمانية ، ونحن نتكلم عن طالبة وليس عن معلمة ؟ نعم لا شكّ أن لديهم إجابة ، قالوا: من واجبنا حماية القيم العلمانيّة ، نعم هم يعرفون أنها مسلمة ، ولكنهم يرفضون أن تعبر عن ذلك حتى في اللباس . قد نفهم إذا قيل إن المرأة المتبرجة تتدخل في خصوصيّات الرجال ،وتسيء إليهم بفتنتها ، ولكن ما ذنب المرأة التي تغطي رأسها ، وما الضرر على القيم العلمانية، خاصة وأن الاحتشام مطلوب في كل الأديان ؟! ولكن يبقى العنوان هو حماية القيم العلمانية ، ولا داعي للتفسير .

3.تقدمت جماعة فرنسية بطلب لتشكيل حزب يطالب بعودة النظام الملكي ، وبالطبع تكون هذه العودة بإقرار من أغلبية الشعب، وفق النظام الديموقراطي الفرنسي . رفض الطلب ،والعنوان هو حماية القيم العلمانية .

4.روجيه غارودي فيلسوف فرنسي، شكك في عدد اليهود الذين قتلوا في ألمانيا، وقدّم الأدلة على أن عددهم أقل من مليون بقليل،وليس ستة ملايين ،كما يُزعم. كما وقدّم الأدلة على أن أفران الغاز لم تكن موجودة ، وكانت النتيجة أن قُدّم إلى المحاكمة ، ولم يكن هو الوحيد الذي يُقَدّم إلى المحاكمة بمثل هذه التهمة . لماذا ؟ لأن هذه القضية لها قانون يحميها بغض النظر عن المبررات .

5.سلمان رشدي يشتم الرسول عليه السلام ، فتقدم له بريطانيا الحماية ، لأن هذا من الحريات التي كفلها القانون ، ولو سألناهم : لو كان الكاتب نفسه يتحدث عن يسوع،أو موسى عليه السلام ،هل يكون ذلك من الحريات التي يكفلها القانون ؟ قالوا : لا ، قلنا: لماذا ؟ قالوا لأن هناك قانوناً في بريطانيا يُجرّم الذي يجذّف على اليهودية والمسيحية ، وليس هناك قانون يتعلق بالتجذيف على الإسلام . نعم العبرة بما يقدسون . وكيف تقدّم الحماية إلى دين غير مقدّس عندهم ؟!

6.في إسرائيل استطاع حزب كاخ أن يدخل البرلمان الإسرائيلي عبر الانتخاب الحر، ثم ما لبث الكنيست الإسرائيلي أن صوّت لمنع كاخ من الترشّح للكنيست، وهكذا كان . لماذا؟ لا بد أن لديهم إجابة . إنّ أفكار حزب كاخ تضر بالمصلحة الإسرائيلية العليا ، من هنا لا بد أن يمنع من الترشيح للانتخابات ، نعم لن يتركوا الشعب يقرر، لأن في ذلك مساً بمصلحة المجموع ، والذين يمثلون المجموع أخرجوا كاخ من الكنيست . الآن وأنا أكتب هذه الكلمات لفت انتباهي خبر في إذاعة لندن عن منع حزب ألماني يميني من الترشّح أيضاً . (10/11/2000م).

7.الباكستان من البلدان القليلة في العالم الإسلامي التي تمارس الاختيار الحر للسلطات في الدولة ، واللافت للانتباه أنها تتبنى بحزم قانوناً للردّة على خلاف الكثير من الدول في العالم العربي والإسلامي . وهنا المفارقة : الدول الدكتاتورية لا تتبنى قانوناً للردّة ، ودولة ديموقراطية يُقرُّ برلمانها مثل هذا القانون .لماذا ؟

سيطر الاستعمار الغربي لسنين طويلة على معظم بلدان العالم العربي، والعالم الإسلامي . والدارس للتاريخ يلاحظ أن المجتمعات العربية حافظت على دينها الإسلامي واستعصت على التبشير، ولم يشذ عن ذلك بلد واحد ، في حين نجد أن التبشير الغربي نجح في أكثر من مجتمع إسلامي غير عربي ، فقد دخل الاستعمار الغربي الفلبين والمسلمين أكثرية ، وعندما خرج كان المسلمون أقليّة ، وفي إندونيسيا كانت نسبة المسلمين تقارب 99% أما الآن فتقارب 95% ، وهناك أمثلة عدة في العالم الإسلامي غير العربي ، ولا يوجد مثال واحد لبلد عربي . ويبدو أن ذلك يرجع إلى أنّ العربي أقرب إلى فهم القرآن والسنّة ، وهذا يعني أنّ نجاح التبشير في البلدان غير العربية كان من قبيل استغلال عدم الوعي بحقيقة الإسلام . ومن هنا نفهم لماذا تصر باكستان على تطبيق حد الردّة ، وكذلك نفهم لماذا قام قسيس قبل عام بإحراق نفسه في العاصمة الباكستانية احتجاجاً على حد الردّة .

        من يدرس تاريخ التبشير في العالم الإسلامي يلاحظ أن المبشرين يدخلون إلى الناس من ثلاثة أبواب : المدارس  والجامعات ، والجمعيّات الخيريّة، والمستشفيات. أي أنهم يستغلون ضعف الإنسان وحاجته ، فالجمعيات الخيريّة تدخل إليه من باب فقره ، والمستشفيات تستغل مرضه ، والمدارس والجامعات تستغل كونه المتلقّي . وهذه الحالات الثلاث هي حالات ضعف تكون اليد العليا فيها للمبشرين . فهل يليق بدولة تحترم عقيدة شعبها وقيمه أن تسمح بمثل هذه الممارسات، تحت ستار حريّة الفكر والاعتقاد . وإذا كانت الأمة بحاجة إلى مثل هذا القانون في يوم من الأيام ، فإنها اليوم أشد حاجة إليه ، لتحافظ على كيانها ووجودها في عصر العولمة ، الذي يتيح للقوي أن يمارس بطشه على الضعفاء ، وهو عصر يستطيع فيه الأغنى أن يزيف القيم والأفكار ، وأن يزيّن السقوط والانحراف . نعم ماذا يملك مليارات البشر في العالم أمام سلطة الإعلام الهائلة، والتي يسيطر عليها قلة لا يردعها خلق ولا ضمير ولا دين ؟! في منطق هؤلاء يجب أن ترفع كل حماية عن كل الشعوب ، حتى تستطيع قلة من الكبار أن تعيد نصب الأصنام ، والتي هي أجمل وأشد جاذبيّة وفتنة، من بعل ، واللات، والعزّى، وفينوس ، وديانا ، وعشتار ، وغيرها من الآلهة المزيّفة . ويبقى الإسلام عظيماً بتشريعه ، لا تنقضي عجائبه ، كيف لا وهو رحمة الله لعباده ؟!

طبـاعة