إنكَ لَغَويٌّ مُبين

بقلم: بسام جرار

جاء في الآيات من 15 إلى 19 من سورة القصص:" ودخل المدينةَ على حين غفلةٍ من أهلها فوجدَ فيها رجلينِ يقتتلانِ هذا من شيعتهِ وهذا من عدوّهِ، فاستغاثهُ الذي من شيعتهِ على الذي من عدوّهِ فوكزهُ موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطانِ إنهُ عدوٌ مضلٌّ مبينٌ. قال ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي فغفرَ له، إنهُ هو الغفورُ الرحيم. قالَ ربِّ بما أنعمتَ عليَّ فلن أكونَ ظهيراً للمجرمينَ. فأصبحَ في المدينةِ خائفاً يترقّبُ فإذا الذي استنصرهُ بالأمسِ يستصرِخُهُ، قال له موسى إنكَ لغويٌّ مبينٌ. فلما أنْ أرادَ أن يبطشَ بالذي هو عدوٌ لهما قالَ يا موسى أتريدُ أن تقتُلَني كما قتلتَ نفساً بالأمس، إن تُريدُ إلا أن تكونَ جبّاراً في الأرض وما تريدُ أن تكونَ من المصلحينْ".

ليس من مقصدنا هنا أن نفسّر هذه الآيات الكريمة، وإنما نهدف إلى محاولة إزالة اللبس الذي يجده من يرجع في فهم الآيات إلى بعض كتب التفسير. وهي فرصة للتدرب على المنهجية في الفهم والاستناط والتحاكم إلى النص الكريم.

" ودخل المدينةَ على حين غفلةٍ من أهلها ": والمقصود هنا موسى، عليه السلام، قبل النبوة، أيام وجوده في مصر. وقد كانت هذه الحادثة السبب الظاهر في مغادرته مصر متوجهاً إلى مَدين. ولا يهمنا هنا أن نعرف لماذا دخل المدينة وأين كان قبل دخولها، ولكن لفت انتباهنا أنّه دخل المدينة والناس في بيوتهم والطرقات خالية.

" فوجدَ فيها رجلينِ يقتتلانِ هذا من شيعتهِ وهذا من عدوّهِ ": وهذا يوحي أيضاً بأنّ الطرقات خالية لعدم شعورنا بوجود عنصر بشري آخر في الموقع. والرجل الأول  هو من بني إسرائيل، والذين هم قوم موسى، عليه السلام. أما الرجل الثاني ففرعوني، لأنّ الفراعنة كانوا يعادون بني إسرائيل ويضطهدونهم.

" فاستغاثهُ الذي من شيعتهِ على الذي من عدوّه ": وهذه العبارة الكريمة توحي أيضاً بأنّ الطرقات خالية، فبمجرد ما لمح الإسرائيلي موسى، عليه السلام، استغاث به.

 في مثل هذا الموقف لا يحتاج الأمر إلى تفكير ولا بد من السرعة في التدخل لصالح الإسرائيلي، لأنّ موسى، عليه السلام، يعرف الواقع تماماً ويدرك أنّ الفراعنة يضطهدون الإسرائيليين.

" فوكزهُ موسى فقضى عليه": فهو إذن قتل شبه عمد، لأنّه قصد الضرب ولم يقصد القتل. وكان الدافع شريفاً، حيث توجب الملابسات على من كان في مثل شهامته، عليه السلام، أن يسارع إلى سرعة الرد على اعتداء من اعتادوا استضعاف الناس.

" قال هذا من عمل الشيطانِ إنهُ عدوٌ مُضلٌّ مبينٌ ": كل شيء كان مفاجئاً وسريعاً، ولكن بعد انتهاء الحدث يكون التفكر بالنتائج التي ترتبت على سرعة الرد قبل التحقق من عدالة موقف الإسرائيلي. فما يدرينا فلعله هو المعتدي ابتداءً. ثم إنّ النتيجة أكبر من الحدث وموجباته. ولا يبعد أن يكون موسى، عليه السلام، قد عرف حقيقة الطرفين بُعيد الحادثة ، وأدرك أنّ الإسرائيلي هو من أهل الانحراف والإجرام. ولفظة (قال) لا تشير إلى فورية ولا إلى تراخٍ في الزمن. والمهم أنه، عليه السلام، أدرك أنّ ما كان منه هو من تسويل الشيطان الذي يحرص على إضلال الإنسان.

" قال ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي فغفرَ له، إنهُ هو الغفورُ الرحيم ": فموسى، عليه السلام – وهو لم يبعث رسولاً بعد - يُقرُّ بذنبه ويتوب منه، ويسأل الله تعالى أن يغفر له. ومن هنا لا داعي أن يستفيض الناس في بحث هذه المسألة، ليقولوا بعصمة أو عدم عصمة الأنبياء قبل البعثة. فالقتل كان شبه عمد، دوافعه كريمة ونتائجه مفاجئة غير مقصودة وضحّيته رجل من قوم كافرين وظالمين. ثم يقبل الله تعالى من عبده المنيب فيغفر له.

 " قالَ ربِّ بما أنعمتَ عليَّ فلن أكونَ ظهيراً للمجرمينَ ": السياق يلزمنا أن نقول إنّ النعمة هنا هي نعمة المغفرة. وهذا يعني أنّ موسى، عليه السلام، قد علم أنّ الله تعالى قد غفر له. ويكون ذلك إما بالوحي أو بنزول الملك ليخبره، أو غير ذلك من صور الإخبار. وهذا مألوف؛ فقد أوحى الله لأمّه وهو رضيع أن تضعه في التابوت فتقذفه في الماء. وأوحى سبحانه قبل ذلك بقرون للفتى الصغير يوسف وهو في البئر، انظر الآية 15 من سورة يوسف:"... وأوحينا إليه لتُنبّئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون". وأوحى سبحانه وتعالى بعد ذلك بقرون لمريم، عليها السلام، انظر الآية 45 من سورة آل عمران:" إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله يُبشّرك...بل وأرسل سبحانه إليها الملك على صورة رجل لينفخ فيها من روحه...الخ.

" قالَ ربِّ بما أنعمتَ عليَّ فلن أكونَ ظهيراً للمجرمينَ ": قد توحي هذه العبارة الكريمة بأنّ موسى، عليه السلام، قد أدرك فيما بعد أنّ الإسرائيلي كان من أهل الإجرام، وأنّ نصرته لم تكن عادلة. وهذا يشير إلى أنه، عليه السلام، كان وقّافاً عند الحق ولا ينصر الباطل، ولو كان ذا قُربى.

" فأصبحَ في المدينةِ خائفاً يترقّبُ فإذا الذي استنصرهُ بالأمسِ يستصرِخُهُ ": واضح من تكرار الحدث أنّ الرجل الإسرائيلي من أصحاب المشاكل. وهو الآن لا يكتفي بالاستغاثه بل يملأ الدنيا صراخاً، وقد يوحي ذلك ببعد نسبي، ولكنه لما رأى موسى، عليه السلام، بادر إلى الصراخ طالباً النجدة. والعجيب أنه في كل مرة يستغيث، فليته إذ كان غير قادر اختصر فأراح الناس. وهذا النوع من الأشخاص له أمثال في كل مجتمع. وأمثال هؤلاء لا يحظون في الغالب بثقة الناس، ولا ينجدهم في الملمات أحد، وهم غالباً ما يُوَرّطون أهل الشهامة والنجدة.

" قال له موسى إنكَ لغويٌّ مبينٌ ": فغواية الإسرائيلي إذن واضحة جليّة، ولا يلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين، فكيف بموسى، عليه السلام؟! ولك بعد ذلك أن تعجب أشد العجب ممن يجعل موسى، عليه السلام، ناصراً لمثل هذا الغوي. وأين قوله:" فلن أكون ظهيراً للمجرمين"؟!!

" فلمّا أن أرادَ أن يبطشَ بالذي هو عدوٌ لهما ": تصوّر كثير من أهل التفسير أنّ الخصم في هذه الحادثة هو فرعوني أيضاً، وأنّ موسى، عليه السلام، أراد أن يبطش به. ولا ندري لماذا يريد موسى، عليه السلام، أن يبطش بالفرعوني الثاني بعد أن ندم على قتل الأول، وتاب إلى الله تعالى، وحكم على الإسرائيلي بأنه غوي، وعاهد الله تعالى أنه لن يكون ظهيراً للمجرمين بعد الحادثة الأولى؟!! لماذا إذن لا يكون الخصم هذه المرة هو إسرائيلي، مما جعل حقيقة المستصرِخ تتجلى أمام ناظر موسى، عليه السلام، إضافة إلى ما يمكن أن يكون قد عرف عنه من أخبار بعد الحادثة الأولى.

واضح أنّ المفسرين استشكلوا قوله تعالى:" أراد أن يبطش بالذي هو عدوٌّ لهما". والأمر في نظرنا غير مشكل؛ لأنّ هناك فرقاً بين قولنا:" يبطش بالذي هو من عدوه"  - كما جاء في قوله تعالى:" وهذا من عدوه" -، وبين قول:" بالذي هو عدو لهما"؛ فالقول الأول يدل على أنّ الرجل ينتمي إلى الفراعنة المعادين للإسرائيليين. أما القول الثاني فيدل على أنّ الرجل هو العدو:" هو عدو لهما"، وليس قومه.. وهناك فرق بين رجل من قوم معادين – وقد لا يكون هو معادياً -  ورجل هو نفسه عدو.

فكيف يكون الإسرائيلي الغويّ عدواً لموسى ولخصمه في المرة الثانية، والذي كان  على ما يبدو هذه المرّة إسرائيلياً؟!

الأمر جد بسيط؛ انظر الآية 83 من سورة يونس:" فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ"، لاحظ قوله تعالى:" ملئهم" وليس:" ملئهِ"، فقد كانوا يخافون من فرعون أن يفتنهم، ويخافون أيضاً من ملئهم، أي كبراء بني إسرائيل الذي كان يتواطؤون مع الفراعنة للبطش بمن يخالف سياسة فرعون. وهذا معهود في كل الأمم والعصور، بل إنّ عدم وجود أمثال هؤلاء الجواسيس والعيون والمتعاملين والمتواطئين غير متصوّر.

فيمكن إذن أن يكون هذا الإسرائيلي من المتواطئين مع الفراعنة ضد قومه، وهذا ما يُجرِّئه على أبناء جلدته وغيرهم من أبناء الشعب المصري. وبالتالي فقد كان عدواً لموسى، عليه السلام، ولخصمه الإسرائيلي في الحادثة الثانية. ويبدو أنّ موسى، عليه السلام، قد اكتشف أمره بعد الحادثة الأولى فكان مسارعاً للبطش به في الحادثة الثانية. وهذا واضح تمام الوضوح في قول الإسرائيلي الغوي:

 "  قالَ يا موسى أتريدُ أن تقتُلَني كما قتلتَ نفساً بالأمس، إن تُريدُ إلا أن تكونَ جبّاراً في الأرض وما تريدُ أن تكونَ من المصلحينّ": فهذه نذالة الجواسيس في أجلى صورها؛ فقد أصبح موسى بمنظار هذا الغوي جباراً بعيداً عن الإصلاح. ثم هو، كما تلاحظ، لا يعرف الوفاء ولا يحفظ الجميل، وسريعاً ما ينقلب على من أحسن إليه، وهذه صفة في الجواسيس معلومة.

ويذهب الكثير من أهل التفسير إلى أنّ الإسرائيلي ظنّ مخطئاً أنّ موسى، عليه السلام، قادم للبطش به فقال قولته هذه. وهذا بعيد لأنّ النص القرآني يقول:" فلما أنْ أراد أن يبطش"، ولم يقل:" فلما أراد أن يبطش"؛ فإضافة (أنْ) يؤكد أنه، عليه السلام، أوشك على أن يبطش به.