إذ أمرتك

 بقلم: بسام جرار

 

       جاء في الآية 12 من سورة الأعراف: " قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، قال: أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين".

       هناك أمرٌ حمل إبليس على أن لا يسجد على الرغم من صدور الأمر الإلهي له بالسجود. وأنت تُدهش أحياناً من سذاجة الطرح العلماني في مواجهة الإسلام؛ فهذا رأس من رؤوسهم يزعم أنّ إبليس قد رفض السجود لغير الله. وكأنّ الرجل يريد أن يقول إنّ موقف إبليس ينسجم مع الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وبذلك يتناقض الدين عندما يعتبر إبليس خارجاً على الدين الحق.

والمضحك المبكي هنا أنّ إبليس نفسه لم يفطن إلى هذه الحُجّة، ولم يقل:" يا رب كيف أسجد لغيرك؟!"، بل قال: "أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقتَهُ من طين".

       لقد كانت هناك محاكمة، وتبيّن أنّ إبليس يرفض الأمر الإلهي: "قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ...". فالله تعالى هو الذي أمر أن لا نعبد إلا إياه. ولو أمرنا سبحانه أن نعبد سواه لكان علينا أن نفعل ذلك؛ لأنّ العبادة في الحقيقيّة هي طاعة الأمر الإلهي. وقد ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم:" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني".

       لقد تَعبّدنا اللهُ تعالى بطاعة أوامره، لذا نجدُ أنّ الثواب والعقاب يرتبطان بطاعة الأمر أو عصيانه. وهنا يجدر التنبيه إلى مسألة يخلط فيها الكثير من الناس؛ فإذا كان الإنسان قد فُطِر على حرية الاختيار بحيث نجده قادراً على موافقة الأمر أو مخالفته، فإنه غير قادر على مخالفة الإرادة الإلهية. فلا مجال إذن أن يخرج المخلوق على الإرادة الإلهية إطلاقاً، ولكن يمكنه أن يخرج على الأمر، ومن هنا جاءت المسئوليّة.

       لو شاء سبحانه وتعالى أن يكون الناسُ أخياراً لكانوا كذلك، ولو شاء أن يكونوا أشراراً لوجدناهم كذلك. ولكنه سبحانه قد شاء أن يجعلهم مُخيّرين في أعمالهم التي يُسألون عنها. وعليه فإنّ العُصاة يخالفون الأمر الإلهي ولا يخالفون الإرادة. وكذلك الأمر عند أهل الطاعة، فإنهم يوافقون الأمر الإلهيّ ولا يخالفون الإرادة الإلهيّة، لأنّ الإرادة الإلهيّة شاءت أن تُخيّر الإنسان ليكون مسئولاً أمام الله تعالى.

 

ماهيّة السجود لآدم ويوسف، عليهما السلام.

       قد ينحني الأب لطفلهِ فيرتحله ذلك الطفل كما يرتحل الدّابة. ولا شكّ أنّ ذلك مُحببٌ وكريم. ولكن لو كان هذا الأمر قد وقع بين مديرٍ وسكرتيرهُ، على سبيل المثال، لحمل معنى آخر فيه الكثير من الذلة والصغار. ولا شكّ أنّ الذلة من القوي للضعيف رحمة، بل هي من مكارم الأخلاق:" واخفض لهما جناحَ الذلِّ من الرحمة". من هنا ندرك أنّ السجود في حدّ ذاته لا حكم له حتى نعلم الدافع إليه والقصد منه. فإذا سجد الوالد لطفله ليرتحله جاز ذلك. وإذا ركع الإنسان ليساعد آخر على ارتقاء سور، فلا شكّ في جواز ذلك أيضاً. أمّا إذا كان الدّاعي إلى السجود أو الركوع هو الذلّة والخضوع، فإنه غير جائز شرعاً. ويتفاوت الحكم في ذلك بتفاوت المعاني والظروف، وقد يصل الأمر حدّ الكفر إذا كان عن قبولٍ ورضى، وحمل معاني التقرب والعبادة.

       يسال البعض عن تقبيل الحجر الأسود، وهل يحمل ذلك بعض معاني الوثنية؟ الجواب هنا يعتمد على اعتقاد المسلم في هذه المسألة؛ فمعلومٌ أنّ المسلم لا يعبد هذا الحجر، ولا يرى فيه أكثر ممّا ورد في الشرع. وما يقال في هذه الصورة يقال أيضاً في صور كثيرة مشابهة؛ كتقبيل الأم لرسالة ولدها الغائب، أوتقبيلها لثياب فقيدها. فالعبرة إذن للمعنى المختبئ وراء السلوك. وبذلك يمكننا أن نميّز في الحكم بين موقف وموقف، وسلوك وآخر.

 

طبـاعة