المقدّس والتاريخي

بقلم: بسّام جرار

       الخلط بين المقدّس والتاريخي ماثل في الثقافات والحضارات البشرية. ويبدو أنّ تقديس الماضي يتعلق بالبنية النفسية للإنسان بصفته إنساناً؛ فهو ينظر إلى الماضي بعين الإجلال والاحترام الذي قد يتحول بمضي الوقت إلى تقديس. من هنا لا بدّ من إعمال العقل حتى لا يتمادى القلب وينساق. وإعمال العقل في تصحيح انحراف القلب والهوى لا يتيسّر إلا لقلة رائدة تتسم بالجرأة والوعي والإبداع، وتجعل من الإصلاح هدفاً لها ورسالة.

       إنّ مثل هذه النخب تلاقي مقاومة ورفضاً، ثم لا يلبث الناس أن يتقبلوا الأمر بعد أن يطمئنوا إلى صِدقيّة الأفكار المطروحة. ولا يكون حكم الناس معصوماً، وذلك نظراً للقصور الملازم للإنسان في مسيرته التاريخية. من هنا جاءت الرسالات الإلهية لتصحح المسار بين الحين والآخر. وعندما بلغت المجتمعات البشرية مرحلة مناسبة من الوعي جاءت الرسالة الخاتمة لتعلن أنّ الإنسان قد بلغ مرحلة الرشد وأنّ بإمكانه أن يكمل مسيرته مستعيناً بالدستور المتمثل بالقرآن والسنّة.

       كثيراً ما يكون الأخذ عن الآباء تقليداً لهم عن غير وعي وتمحيص، وقد يكون هذا الأخذ متسلحاً بالمسوّغات العقلية، فيكون حضوره في العقل والقلب معاً. وقد أشار القرآن الكريم إلى درجات هذا الأخذ، فقال في حق الأخذ الذي يكون عن غير قصد وتحقق:

(قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا)(البقرة: 170).

(إنهم ألفوا ءاباءهم ضالين، فهم على ءاثرهم يُهرعون) (الصافات: 69- 70).

أما الأخذ الذي يُزعمُ فيه حضور القصد والتلقّي الواعي:

مُسوّغهُ الأقوى عندهم أنّه تاريخي:

(قالوا وجدنا ءاباءنا لها عبدين) (الأنبياء: 53).

لذا فهو الأحق في زعمهم أن يُتّبَع:

(قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا) (لقمان: 21).

ثم هو برأيهم يكفي، ولا حاجة للزيادة عليه:

(قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا ... ) (المائدة: 104).

وهو صراط لا يجوز في عقيدتهم الانحراف عنه:

(قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءاباءنا) (يونس: 78).

وحتى لو وجد ما هو أهدى يبقى للتاريخي سلطانه وسيطرته:

(قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءاباءكم) (الزخرف: 24).

والقرآن الكريم يدين الموقف الذي يأخذ التاريخي لمجرد أنه تاريخي:

(أولو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) (البقرة: 170).

ويُبيّن القرآن أنّ ذلك نهج الكثير من البشر، ومن أجل ذلك كان البيان والإرشاد والإنذار:

(ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين، ولقد أرسلنا فيهم منذرين)(الصافات: 71-72).

والذي يُقدّس التاريخي بصفته تاريخيّاً، من غير أن يقدّم الدليل والبرهان على صدق مسلكه، لا بُدَّ من أجل تنبيهه أن يُصدم بالحقيقة:

(قال لقد كنتم أنتم وءاباؤكم في ضلل مبين) (الأنبياء: 54).

أما اتّباع الآباء عن غير وعي فهو طريق شيطاني يقود إلى الهاوية:

(أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) (لقمان:21).

وإذا كان التاريخي في زعمهم يكفي ويُغني، فقد يكون عن غير علم ولا هدى:

(أولو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون) (المائدة: 104).

إنّ سرد القرآن الكريم لوقائع تاريخيّة، وتشخيصها، وتوصيفها، ومناقشتها، ومناقضتها أحياناً، يؤدّي إلى تنبّه المسلم إلى المنزلق الذي وقعت فيه الأمم السابقة، ويمكن أن تقع فيه الأمم المعاصرة واللاحقة؛ وذلك لقوة فعل التاريخي في المعاصر. والمطلوب، قرآنياً، أن يكون لدينا الوعي الكافي بسلطان التاريخ وسيطرته، بما يَحمِل من إيجابيات كثيرة وسلبيّات أيضاً. وهذا الوعي يخلق لدى الإنسان القدرة على التحرر من سلبيات التاريخي ويساعد في التمييز بين ما هو تاريخي وما هو مقدّس، ويساعد قوى الإصلاح في تحرير الأمور، وتمييزها في الوعي المجتمعي.

       جاء في الحديث الصحيح:" إنّ الله يبعثُ لهذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدد لها دينها": ومن صور تجديد الدين التمييز بين ما هو تاريخي وما هو مقدّس، ويظهر ذلك جليّاً عند الحديث عن البدعة في الدين. ويلفت الانتباه ما تمّ في العقدين المنصرمين من نهضة فكرية مؤسِّسَة شملت التراث وإعادة النظر فيه؛ فقد ظهرت مدارس يمكن حصرها في ثلاث:

أ‌-  مدرسة تتمسّك بقوة بالنص المقدّس وترفض كل ما هو تاريخي طارئ عليه. وقد قامت هذه المدرسة بمحاربة البدع. ويمكن للدارس أن يلاحظ أنّ بعض المدارس المنبثقة عن هذه المدرسة الجامعة قد بالغت في التبديع، وأدانت الكثير من تراث الأمّة الفكري. في المقابل نجد أنها قد انزلقت في منزلق تقديس التاريخي باعتباره ممثلاً للمقدّس.

ولا شك أنّ هذه المدرسة قد ساعدت في تسريع إعادة النظر فيما هو تاريخي ودخيل على المقدّس، ولكنها تعصّبت للتاريخي وظهرت عاجزة عن مواكبة مسيرة الاجتهاد الإبداعي المستند إلى المقدّس. والأمل أن تفرز هذه المدرسة توجّهات رشيدة قادرة على تحمّل مسئولياتها، وقد بدأنا نلمس إرهاصات لمثل هذا الأمر.

ب- مدرسة هي حريصة أيضاً على التمييز بين ما هو تاريخي وما هو مقدّس، وتمارس إعادة النظر بجرأة ممزوجة باحترام، وتعيد صياغة الأمور بهدوء واتزان، بعيداً عن التشنّج والإدانة.

ج- مدرسة تقليديّة تخلط كثيراً بين التاريخي والمقدّس، وسلوكها يوحي لك بأنّ الكثير من التاريخي هو في نظرها أيضاً مقدّس. وهي تُمثّل الحارس والمروّج لكل ما هو تاريخي.

       والناظر بعمق يدرك أنّ وجود هذه المدارس الثلاث يُشكّل ضمانة لتطورٍ فكري منضبط، وتشكّل حصناً أمام الهجمة التغريبيّة التي تريد أن تتجاوز ما هو مقدّس وما هو تاريخي. وتبقى المدرسة الوسطيّة هي الأقدر على الفعل والتأثير والاستقطاب، والأقدر على التغيير الجوهري الخلاّق.

       إنّ التراث في نظر الإسلام غير مُقدّس. ونحن بحاجة لتأكيد ذلك عندما يكون التراث متعلقاً بالمُقدّس؛ فالفقهُ والتفسير، وكذلك العلوم المتعلقة بالقرآن والسُنّة، كل ذلك ليس بمُقدّس؛ لأنّه من فعل البشر. ومن هنا فكل ما هو تراث قابل للمراجعة وغير مُتّسم بالعصمة، على خلاف النّص القرآني الكريم، والسنّة الشريفة، وما يتعلّق بهما من اللغة العربيّة.

 نفي القداسة عن التراث لا يعني الاستهانة والاستخفاف به. واحترام التراث هو المقدّمة الضروريّة لإمكانية تحقيق مراجعة حقيقيّة وسويّة. من هنا نجد أنّ القدرة على مراجعة التراث تكون لدى أولئك الذين يؤمنون بالمقدّس، ويتّسمون بالصِدقيّة العلميّة، والانتماء العميق لجذور الأمة وتراثها. أما أولئك الذين لا يملكون مثل هذه المؤهّلات فيَنظر الناسُ إليهم كأعداء، بل ويتّهمونهم في نواياهم، لذا نجدهم غير قادرين على المساهمة في إحداث التغيير المرجو.

       مراجعة التراث لا تعني الانقلاب على التاريخي، بل تعني تعزيز الإيجابيات ونفي السلبيات. ويبقى للتراث وظيفة جماليّة وأخرى نفسيّة وثالثة عَمليّة. وعندما يفقد التراث قيمته العمليّة تبقى له قيمته الجماليّة والنفسيّة.

       الأصل في المقدّس أن يستند إلى القناعات العقليّة، ولا بد أن يقوم على أساس من البرهان. وفي الوقت الذي يفقد فيه المقدّس هذا الأساس لا بدّ أن يتّكئ على التاريخي، ليستمد منه الأصالة وقوة التأثير في عالم المشاعر. وهذا غالباً ما يفلح مع الغالبية العظمى من الجماهير ولكنه يبقى مهدداً من النُّخب التي تتميّز بقدرات نقديّة وإبداعيّة. وشيئاً فشيئاً لا بد لسلطان العقل أن يحقق إنجازات تساهم في إحداث التغيير الذي يؤمل أن يكون إيجابياً.

       يتجلى الخلط بين التاريخي والمقدّس لدى الشيعة أكثر بكثير مما هو عند أهل السنّة. وعلى الرغم من ذلك سنقوم بانتقاء الأمثلة على هذا الخلط من تراث أهل السنّة:

أ- في مجال الحكم والسياسة:

       اللافت أنّ الكثير من الكتب التي تتحدث عن نظام الحكم في الإسلام، والتي تحمل عناوينها هذا المضمون، هي في الحقيقة إنما تتحدث عن نظام الحكم في تاريخ المسلمين وتاريخ التراث الإسلامي؛ فعندما تُقسّم الوزارة، على سبيل المثال، إلى وزارة تفويض ووزارة تنفيذ، فإنّ ذلك لا يزيد عن كونه تقسيماً بشرياً يعطينا فكرة عن المستوى الذي وصل إليه الفكر السياسي في عصر من العصور. وعلى الرغم من وضوح ذلك فإننا نجد أنّ الكثير من الكتاب يخلطون بين حقيقة الشريعة الإسلامية والواقع التاريخي للمسلمين. وعندما يتحدث البعض عن شروط الحاكم المسلم، ومنها، مثلاً، شرط سلامة الأعضاء والحواس، نجدهم لا يميّزون بين واقع الأجداد وواقعنا المعاصر، فيشترطون أن تكون يد الحاكم ورجله سليمة، ويظنون أنّ هذا الشرط تشترطه الشريعة الإسلاميّة.

ب- في الفن والعمارة:

يمكن اعتبار فنٍ ما إسلامياً، وكذلك أنماط البناء، عندما تكون تفاصيل هذا الفن، أو البناء، منضبطة بالضوابط الإسلاميّة، وتراعي القيم الإسلاميّة، وعندما يكون ذلك المبدع متفاعلاً مع الإسلام. وعندما نقول إنّ هذه الفنون إسلاميّة فإننا لا نعني أنها مقدّسة؛ لأنها مما أنتجه المبدع عندما تفاعل مع الإسلام. لذا فهي لا تعتبر جزءاً من الإسلام.

ج- في اللباس والأزياء:

       ليس هناك زيّ إسلامي محدد، ولكن هناك شروطاً تشترط في زي الرجل وفي زي المرأة حتى يعتبر ذلك الزي شرعيّاً. فإذا توافرت هذه الشروط يمكن عندها أن نصف الزي بأنه إسلامي، ولكنه ليس بمقدّسٍ، كما أنّه ليس جزءاً من الإسلام، وإنما هو جزء من التراث الإسلامي القابل للمراجعة وإعادة النظر.

د- في الأدب:

       ما قلناه في الفن والعمارة والزي نقوله في الأدب؛ فعندما يتفاعل الأديب مع الإسلام ويلتزم القيم الإسلامية يكون أدبه أدباً إسلامياً، وبمضي الوقت يصبح تراثاً إسلامياً، ولكنه ليس بمقدّس، لأنّه نتاج إنساني نتج عن تفاعل المبدع، في عصر من العصور، مع القيم الإسلاميّة.

هـ- في فقه المعاملات:

       القرآن والسنّة والقياس والإجماع، هي المصادر الأساسيّة للتشريع في الإسلام. ومن نصوص القرآن والسنّة ما هو قطعي في دلالته، لا يحتمل أكثر من معنى، ومنها ما هو ظنّي، يحتمل أكثر من معنى. والقطعي في دلالته لا يسمح بتعدد الأقوال والاجتهادات، في حين أنّ الظنّي يوفّر مساحات للاجتهاد البشري. لذلك وغيره نجد أنّ الكثير من مسائل الفقه الإسلامي يختلط فيها التاريخي بالمقدّس، ويشمل ذلك العديد من مجالات الفقه المختلفة. ولنأخذ مثالاً على ذلك من فقه العقود:

       يُقسّم الفقهاء الشركة إلى شركة أملاك وشركة عقود. وهم يقسّمون شركة العقود إلى شركة عنان، وشركة مفاوضة، وشركة أبدان، وشركة وجوه... ثم هم بعد ذلك يشترطون شروطاً لصحة هذه الشركات. والدارس لفقه الشركات في الإسلام يدرك أنّ بعض تلك الشروط، التي تشترط لصحة الشركات، هي في الحقيقة شروط اجتهادية لا تستند إلى نص من القرآن أو السنّة. ثمّ إنّ تقسيم وتصنيف الشركات هو أيضاً تقسيم اجتهادي، أملته وقائع تاريخيّة تتعلّق بمستوى تطوّر الواقع الإقتصادي. ولا شكّ أنّ الفقه المعاصر اليوم هو أقدر على التقسيم والتصنيف والتفصيل في أنواع الشركات وشروط صحّتها وفسادها وبطلانها. وما نود أن نلفت الانتباه إليه هنا هو أنّ الكثير من الدارسين لا يزالون يخلطون في هذه المسألة بين التاريخي والمقدّس.

و- في العلاقات الاجتماعيّة:

       المستقرئ للشريعة الإسلامية يلاحظ اهتمام الإسلام الشديد بالأسرة وكيانها. وعلى الرغم من ذلك فقد أباح الإسلام الطلاق، والذي هو في نظر الشريعة الإسلامية أبغض الحلال إلى الله تعالى. والنصوص الشرعية تُشعِرك بقداسة الرباط الزوجي، أمّا الطلاق فيدعو إليه واقع النفس البشريّة.

       على الرّغم من وضوح ذلك في الشريعة الإسلامية إلا أننا نجد أنّ جمهور الفقهاء عَبر العُصور المختلفة قد توسّعوا في إيقاع الطلاق، حتى بلغ الأمر عند بعضهم حد القول بوقوع الطلاق قبل انعقاد عقد الزواج؛ فالحكم عندهم إذا قال رجل: كلما تزوّجتُ امرأة فهي طالق، أن تطلق كل امرأة يتزوجها. وقد دفعهم إلى مثل هذا التوسع الاحتياط في الدين، أي أنّهم يفضّلون فضّ الزواج لمجرد الشبهة، حتى لا تكون هناك علاقة جنسيّة تتم في دائرة الشك. ولا شكّ أنّ هذه الفلسفة قد أملتها ظروف تاريخية. من هنا نجد أنّ بعض علماء العصر يَغلبُ عليهم الميل إلى فلسفة مناقضة تستند إلى روح الشريعة وقواعدها؛ فهم يُقدّسون العلاقة الزوجيّة ولا يقبلون أن تُفضّ هذه الرابطة الجليلة لمجرد الشبهة. وإذا كانت قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) هي من أهم القواعد الفقهية في الشريعة الإسلاميّة، فلماذا يستثنى منها عقد الزواج؟!

ز- في التفسير:

       ثبت تاريخيّاً أنّ النص القرآني الكريم منزّه عن الزيادة أو النقصان. وثبت في المقابل أيضاً أنّ اتفاق واختلاف الأفهام عند تدبر هذا الكتاب العزيز هو من أهم حقائق علم التفسير. ونحن نجد اليوم تراثاً هائلاً يتعلّق بفهم هذا الوحي، الذي مصدره العلم المطلق. وكيف لمحدودٍ أن يحيط علماً بدلالات كلام الله الحكيم العليم؟!. من هنا لا يُتوقّع أن تتوقّف مسيرة التفسير عند حد. ولكنّ انطلاقة هذه المسيرة قد يُعيقها الخلط بين المقدّس والتاريخي. لذا لا بدّ أن يقوم أهل الاختصاص بواجب التوعية للتمييز بين المقدس والتاريخي. ولا يتفاعل المسلمون في مثل هذا الأمر الخطير إلا مع العلماء الربّانيين الذين يتميّزون بروح التجديد المنبثقة عن أصالةٍ في الفكر والانتماء.

الأصل عند تفسير القرآن الكريم أن نأخذ بدلالات ألفاظ اللغة العربيّة كما كانت في عصر الرسول، صلى الله عليه وسلّم. والدارس لتطوّر التفسير عبر العصور يلاحظ تسرّب الدخيل من الدلالات شيئاً فشيئاً، حتى عكر صفو اللغة وأثّر في الأفهام. وليس من السهل على المعاصرين اليوم أن يُعيدوا الأمور إلى نصابها بين عشيّة وضحاها، ولكن يمكننا أن نباشر ذلك، وعلى وجه الخصوص عندما نلتزم منهجيّة سويّة في تدبّر القرآن الكريم، وعندما نستشعر حقيقة أن لا عصمة لغير الأنبياء.

 لقد أدّت أخطاء بعض المفسرين، عبر العصور المختلفة، إلى إعطاء بعض الألفاظ دلالات جديدة، ترسّخت بمضي الوقت، حتى اختلط ما هو تاريخي بما هو مقدّس. فكلمة (صَرَّ)، مثلاً، فيها معنى الشدُّ والضّم والعزم. وعلى الرُّغم من وضوح ذلك نجد أنّ بعض المفسّرين قد أعطاها معنى مضاداً؛ فذهب إلى القول بأنّ فيها معنى التقطيع والتفريق. والمحقق يجد أنّ الدافع إلى ذلك هو الفهم غير الدقيق لما ورد في الآية 260 من سورة البقرة: "...قال فخذ أربعةً من الطير فَصُرهُنّ إليك ثمّ اجعل على كلّ جبلً منهنّ جزءاً..."؛ فالفهم المُجمل الذي تَحصّل لدى المفسّر للآية الكريمة، وكذلك تصوّره الخاص للمعاني المقصودة، قد يؤدّي إلى التشويش على الدلالة الأصليّة لكلمة مثل فصرهُنّ وغيرها. ولا شكّ أنّ النظر العميق في معاني النص الكريم يساعد في تصويب التصوّر الذي يؤدّي بدوره إلى العودة إلى صفاء دلالات الكلمات والألفاظ.

ح- في العقيدة:

       تقبّل علماء الإسلام عبر القرون الماضية الاختلاف الفقهي، وأرجعوا هذا الاختلاف إلى عدّة أسباب، من أهمها ما تحتمله الألفاظ من معانٍ ودلالات. والغريب أنّ الكثير منهم لم يقبل ذلك الاختلاف المدرسي في باب العقيدة، فأدى اختلافهم في العقيدة إلى اختلاف قلوبهم وتنافرهم، ولم يتسامحوا في العقيدة تسامحهم في الفقه. والمتدبّر لتاريخ علم الكلام يدرك أنّ الكثير من تلك الآراء والمذاهب الفكريّة هي أقرب إلى التراث منها إلى النَّص الديني المقدّس.

ط- في التقويم الفلكي:

       لا شكّ أنّ الإسلام قد ربط بعض الشعائر التّعبُديّة بالسنة القمريّة. وعلى الرُّغم من وضوح الآيات القرآنية، التي تعتبر الشمس والقمر مرجعين لحساب السنين، إلا أنّ قطاعات من علماء المسلمين لا يزالون ينفرون من اعتماد السنة الشمسيّة، ويرون أنّ التأريخ الهجري هو التأريخ المعتبر شرعا. وهذا غير دقيق، لأنّ هذا التأريخ قد جاء بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بسنين.

ي- في قضايا المرأة:

إنّ التمييز بين التاريخي والمقدّس في هذا المجال يحتاج إلى قَدرٍ من الإلمام بالنص الديني يؤيّده إلمام بالتطور الإجتماعي عبر التاريخ. وهذا وحده لا يكفي، بل نحتاج إلى سبر أغوار النفس البشرية وتعقيدها. من هنا نجد أنّ هذه المسألة يصعب حسمها والتمييز فيها بين المقدّس والتاريخي. وقد وجدنا من الكتّاب من اهتم بهذا الجانب. والمراقب يلاحظ أنّ هناك تطوراً إيجابياً في فكر المعاصرين من العلماء المسلمين الذين يتناولون قضايا المرأة.

ك- الأزمنة والأمكنة:

       من اللافت أنّ خصوصيّة بعض الأمكنة والأزمنة هو قاسم مشترك بين الأديان المختلفة، بل نجد أحياناً تداخلاً ولّدتهُ التأثيرات المتبادلة. ويحرص علماء المسلمين على رد الأمور إلى أصولها وتمييز ما هو ديني عن ما هو دنيوي ودخيل. ولا شك أنّ هذا التداخل والالتباس جاء من جهة التاريخي الذي اكتسب هيبتهُ وقدسيّته وجلاله لكونه تاريخاً ارتدى زي الدّين.

       إنّ قدسيّة المسجد الأقصى وما حوله، وكذلك قدسيّة المسجد الحرام والمسجد النبوي، استمدت من النص الديني المقدّس. وهناك أيضاً خصوصيّة لبلاد الشام، حيث وُصِفت بالأرض المباركة. وهذا كله يتعلق في النهاية بوظيفة هذه الأمكنة ودورها في حياة البشر.