بسم الله الرحمن الرحيم

:: ثـــمّ ادعُهــنّ ::
 

بقلم : بسام جرار

 

جاء في الآية 260 من سورة البقرة:" وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي..."، واضح في السياق أنّ إبراهيم، عليه السّلام، يطلب أن يرى كيفيّة إحياء الموتى. فهو إذن يؤمن بأنّ الله تعالى يحيي الموتى، ولكنّ نفسه، عليه السلام، تتوق إلى معرفة كيفيّة هذا الإحياء. ولكن أنّى لبشر أن يرى الكيفيّة في جوهرها. وحتى لو دبّت الحياة في ميّت والناس ينظرون، أو اجتمعت الأجزاء المتفرقة وهم يبصرون، فهل يعني ذلك أنهم قد عرفوا كيفيّة إحياء الموتى؟! إنّ جوهر الكيفيّة هو من الأسرار التي تزال تحيّر العقول، ولا تدركها الأبصار. وعليه كيف يمكن أن نُقرّب مثل هذه الحقيقة إلى الأفهام؟!

 لقد جاء الرّد في الآية نفسها من سورة البقرة:".. قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً..." قال بعض أهل التفسير إنّ معنى كلمة فَصُرهُنّ أي قطّعهنّ، وهذا عجيب، لأنّ الصّر فيه معنى الضّم، والتقطيع فيه تفريق. ويبدو أنّ الذي حملهم على هذا قوله تعالى:" ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً "، ومعلوم أنّ الواحد هو جزء من الأربعة، والأربعة الطيور يمكن أن تكون أربعة أنواع يكون مجموعها أكثر من أربعة، وقد ورد في سورة الحِجر:"وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ "، فهل المقصود بالجزء هنا بعض إنسان أم عدد من النّاس؟! وعليه فلا داعي لأن تُصرف لفظة فصرهنّ عن ظاهر معناها الذي هو الضّم والتقريب.

       " ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً"، لو كان المقصود تفريق قطع الطيور الميتة على الجبال، كما يقول البعض من أهل التفسير، لكان هذا من أعجب العجب، لأنّ المطلوب هو رؤية كيفيّة الإحياء وتجميع الأشلاء، ويكفي، لتحقيق المطلوب، طير واحد، ولا بد أن يكون قريباً وتحت النّظر. أمّا تفريق الأبعاض على الجبال فلا يجعلنا نبصر كيفيّة الإحياء. وما يُدرينا عندها أنّها الطيور نفسها التي قُطّعت؟! وحتى لا نقع في مثل هذه التناقضات لا بُدّ أن نأخذ المعاني وفق الدلالات الظاهرة.

 لقد طُلب من إبراهيم، عليه السلام، أن يأخذ أربعة من الطير، أو من أنواعها، ثم يضمّها إليه حتى تألفه، وبعد أن تتحقق الألفة المطلوبة يفرقها في رؤوس الجبال، التي لا ندري عددها ولا ندري مدى بعدها وقربها، وبعد تفريقها يقف ويدعوها إليه، وسيجد أنها تأتيه طائعة مسرعة. وهذه صورة أصبحت اليوم مألوفة ومتكررة، وعلى وجه الخصوص لدى أهل الخليج الذين يُعَلّمون الصقور كيف تطير في جو السماء ثم تعود مسرعة عندما تُدعى وتنادى باللغة التي ألفتها واعتادتها.

       معلوم أنّ الطيور هي الأشد نفوراً بين الكائنات التي تعايش الإنسان في الأرض، بل لقد عَدّ بعضهم اقتراب الطير من إنسان بعينه نوعاً من الكرامات. إلا أنّ هذه الفطرة في الطير يمكن أن تتغيّر بالألفة. وبهذا ينكشف لنا بعض أسرار استغراب الناس إحياء الموتى؛ فهم يعجبون من غير المألوف، ولا يعجبون من المألوف، على الرغم من أنّ الإعجاز في الخلق يتجلى في كل مظاهر الكون. فلماذا لا يعجب الناس، مثلاً، من تكوّن الجنين، ونزوله طفلاً كاملاً؟! إنها الألفة. ولو كان الموتى يعودون إلى الحياة لأصبح ذلك واقعاً مألوفاً لا يدعو إلى العجب. وإذا كان واقع الطير أنه شديد النفور، فقد أمكن تغيير هذا الواقع، وأصبح الأمر في دائرة الممكن غير المستغرب. إنّ في الموت تحللاً وتفرّقاً، أمّا الحياة فتآلف واجتماع. وليس هذا في الكائنات الحيّة فقط، بل نجده في الاجتماع البشري؛ فتحلل المجتمع وتفرّق النّاس نذير موت لهذا المجتمع، أمّا التآلف والاجتماع فمن أبرز مظاهر الحياة فيه.

       جاء في الآية 16 من سورة ق:" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"، وجاء في الآية 25 من سورة الروم:".. ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ". لقد طُلب من إبراهيم، عليه السلام، أن يُقرّب الطيور وأن يضمها إليه، وبعد أن تحصل الألفة تكون الدعوة فيكون الاجتماع:" ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ". وهذا سرٌّ آخر؛ فالقرب الشديد الذي ينتج عنه تآلف يجعل من السهل العودة بعد التفرّق، فكيف بالله القدير الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد!!

 إنّ الموت تفرق وتنافر على مستوى الجسد المادّي، وعلى مستوى علاقة الروح بهذا الجسد. أمّا الحياة فإنها تآلف وانجذاب على مستوى الجسد ومكوناته، وعلى مستوى علاقة الروح بهذا الجسد المتآلف، وكلما ازداد القرب ازداد الانجذاب، وكلما ازداد الانجذاب ازداد القرب، وعندما يكون هناك تآلف في عالم المعنى لا يضر البعد في عالم المادّة.

 .

طبـاعة