بسم الله الرحمن الرحيم

 :: وكيف تصبر؟! ::

        بقلم : بسّام جرّار

 

         هل يُضير الرسول أو ينقص من قدره أن يكون تابعاً في طلب العلم؟! هذا موسى، عليه السلام، يسعى إلى العبد الصالح يطلب عنده المعرفة: "قال له موسى هل أتبعك على أنْ تعلمن مما عُلمتَ رُشداً" (الكهف:66) ولكنّ العبد الصالح يعلم أنّ ما لديه من علم ربّاني تقصر عنه الحكمة البشريّة، فيقول لموسى، عليه السلام:".. إنّك لن تستطيعَ مَعِيَ صبراً، وكيف تصبرُ على ما لم تُحط به خُبراً إذن ليس من السّهل أن يَصبر موسى، عليه السلام، لأنّه لم يدرك مرامي أفعال العبد الصالح، بل إنّ صبره عندها سيكون عجيباً:" وكيف تصبر؟!" وهذا ما حصل فعلاً، فقد بادر، عليه السلام، بالاعتراض، وتكرر منه ذلك حتى بعد أن تمّ تذكيرهُ أكثر من مرّة: "قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبراً".

       ليس من السهل إذن أن يصبر الإنسان حتى يدرك الحكمة. ويكون كمال الصبر عندما يتحقق كمال الإحاطة، والذي لن يكون في عالم القصور البشري. من هنا يكون النجاح للعقائد والأفكار التي تقدّم المعرفة والبرهان، ويكون النجاح للمربي الذي يغرس في العقول والقلوب القناعات الأقرب إلى الحقيقة، ويكون النجاح للقائد الذي نؤمن به قائداً في عالم الفكرة، فنخلص له بمقدار ما يخلص هو للحقيقة.

       هذا إبراهيم، عليه السلام، يدعو ربه:"..ربّ أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن ؟! قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي.." (البقرة:260) وهذا موسى، عليه السلام، يرجو ربه:"ربّ أرني أنظر إليك" ولكن أنّى لبشر أن يطيق ذلك في قانون الدنيا. ومن هنا لا بد من تقريب هذه الحقيقة إلى موسى، عليه السّلام، ليقتنع ويطمئنّ قلبه: "..قال لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني" (الأعراف: 143)، فالاستسلام الحقيقي هو استسلام العارفين، والانقياد الجوهري هو انقياد المقتنعين، ولا فلاح لمنهج ولا فكرة لا تقيم بناءها على أساس من المعرفة والاقتناع. ونحن هنا نهدف إلى لفت الانتباه إلى حاجة الناس إلى البرهان، وحاجتهم إلى معرفة الحكمة من وراء التشريع، حتى في الشعائر التعبديّة. أمّا قول العلماء إنّ العبادات لا تعلل، فإنها قضية أخرى لا علاقة لها بالحكمة. وحتى عندما يعجز العقل البشري عن إدراك الحكمة فإنّه بالإمكان تقديم الدليل على هذا العجز، وعندها تتحقق القناعة المطلوبة، كما حصل عندما طلب موسى، عليه السلام، أن يرى الله تعالى .

       حتى أولئك الذين يستسلمون بمجرد التحقق من الدليل الشرعي، المستند إلى القرآن الكريم والسنّة المشرّفة، نجد أنّ استسلامهم يقوم على أساس من القناعة التي نسميها إيماناً، ولكنّ هذا الاستسلام تشوبه شوائب الحيرة والتساؤل عندما يتعارض ظاهر الأمر مع أساسيّات الدين، كما حصل في قصة موسى، والعبد الصالح؛ حيث لم يصبر موسى، عليه السّلام، واستنكر قتل الصبي، وخرق السفينة، لأنّ ظاهر هذه الأفعال يتناقض مع الإصلاح الذي أمر به الدين. إنّ ما فعله العبد الصالح كان بوحي ربانيّ، لذلك قال:" وما فعلتُه عن أمري". ولا ننسى أنّ اتّباع موسى، عليه السلام، للعبد الصالح ابتداءً كان بوحي ربّاني .

       إذا كنّا بحاجة دائمة إلى استجلاء الحكمة من وراء النص الديني، وإذا كان استسلامنا لله الخالق لا يعني استسلامنا لكل ظواهر النصوص، وإذا كانت الملائكة قد تساءلت عن الحكمة:" أتجعلُ فيها من يفسدُ فيها ويسفك الدماء"، فماذا يمكن أن نقول في أولئك الذين يريدون أن يجعلوا من الشعوب أغناماً تُقاد، وماذا نقول في الديكتاتوريّات التي ابتليت بها الأمّة فكانت صوراً مكررة لفرعون وهو يقول:" ما أريكم إلا ما أرى"؟!

طبـاعة