سم الله الرحمن الرحيم

" ألفاظ ودلالات "
 

بقلم: بسام جرار

 

دراهم معدودة:

       جاء في الآية 20 من سورة يوسف:"وشَروهُ بثمنٍ بَخسٍ دراهمَ معدودة وكانوا فيه من الزاهدين".

       في هذه الآية الكريمة إشارة إلى المستوى الحضاري للمجتمع المصري في حينه؛ فقد كانوا يستخدمون الدراهم، أي أنّهم يصكّون العملة الفضية كوحدة للتبادل التجاري. في حين نجد أنّ إخوة يوسف القادمين من البدو يعرضون بضاعةً ليشتروا المواد التموينيّة. انظر قوله تعالى:"وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رِحالهم"، وانظر قوله تعالى:"فلمّا دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مَسَّنا وأهلَنا الضُّر وجئنا ببضاعةٍ مُزجاة ...".

 السقاية والصواع:    

       جاء في الآيات (70-72) من سورة يوسف:"فلما جَهّزهُم بجَهازِهم جَعلَ السقايةَ في رَحل أخيه ثمّ أذّن مؤذن أيتها العيرُ إنّكم لسارقون. قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون. قالوا نفقد صواع الملك، ولمن جاء به...".

       اللافت في الآيات الكريمة أنّ يوسف، عليه السّلام، عندما جهّز إخوته جعل السقاية في رحل أخيه الأصغر، وعندما أذّن المؤذِّن قالوا:"نفقد صُواع الملك". فلماذا عُبّر عن السقاية بالصواع؟ ولماذا هو صُواع الملك؟.

       يبدو أنّ الكيل، في التعامل التجاري، كان هو السائد في المواد التموينيّة، أمّا اليوم فيغلب فيه الوزن. وسواء تعاملنا بالكيل أو بالوزن فإننا نحتاج إلى مقياس مرجعيّ نرجع إليه عند الاختلاف لضبط المكاييل والموازين، وتكون هذه المرجعيّة رسميّة، وتنسب إلى السلطة العليا في البلد. وبما أنّ يوسف، عليه السّلام، كان في أعلى هرم السلطة المشرفة على الجانب الاقتصادي، وعلى توزيع المواد التموينيّة في فترة القحط، فقد وجدنا أنّ المكيال المرجعي يوجد لديه:"قالوا نفقد صواع الملك". وهذا يشير إلى المستوى الحضاري للمجتمع المصري في ذلك الوقت؛ فهناك سلطة مركزية تشرف على أدق الأمور بما فيها المكاييل.

       لم يكن المكيال مقتصراً على المحاصيل الزراعية، كالقمح والشعير... بل كان يستخدم أيضاً في المواد السائلة، وعلى وجه الخصوص الزيت والحليب. من هنا نجد أنّ المكيال المستخدم كان يصلح لضبط كيل المحاصيل الزراعية، وكذلك كيل المشروبات السائلة. فهو إذن صواع، وهو أيضاً سقاية.

 سيّدها:

       جاء في الآية 25 من سورة يوسف:"واستبقا الباب وقدّت قميصه من دُبر وألفيا سيّدها لدى الباب..."، وجاء في الآية 30: "وقال نسوةٌ في المدينة امرأتُ العزيز تُراودُ فتاها عن نفسه..."، فهو إذن سيدها وهي امرأته، فكيف يمكن أن يجتمع الوصفان في آن واحد؟!

       يقول التاريخ إنّ الملوك الرعاة الهكسوس قد احتلوا شمال مصر وطردوا ملوك الفراعنة إلى الجنوب، وبقيت سيطرتهم على الشمال المصري ما يقارب القرنين من الزمن. وكان أن وجد يوسف، عليه السلام، في مصر في زمن الهكسوس. من هنا نجد أنّ سورة يوسف، كما ألمح البعض، تخلو من ذكر الفرعون، بل: (الملك و العزيز)، في حين أنّ إرسال موسى، عليه السّلام، بعد ما يقارب الخمسة قرون، كان إلى الفرعون.

       إنّ سيطرة الملوك الرعاة الهكسوس على الشمال المصري لا يعني طرد الشعب الفرعوني، بل كانت وراثتهم لنظام الحكم والسيطرة. وقد اعتادت الشعوب القديمة أن تتفاعل مع القادم الجديد في حالة فرض سيطرته. ومن المتوقع أن يقع في قبضة الهكسوس عند اقتحامهم لمصر بعض السبايا من الفرعونيّات. وإذا كانت السبيّة ذات نسب وجمال فإنّ فرصتها في العتق وفي الزواج من عِلية القوم تكون أكبر. ويبدو أنّ امرأة العزيز كانت سبيّة، أو مملوكة، ساعدها شبابها وجمالها، أو نسبها، على الزواج من العزيز، وهذه صورة مألوفة في العصور القديمة. وعليه فالعزيز (سيدها) باعتباره المُعتق لها، وهي (امرأة العزيز) باعتبار واقعها بعد الإعتاق.

وكون المرأة سبيّة يجعل إخلاصها للزوج أقل، لأنها امتُلِكت عنوة، بل قد تُسبى وهي زوجة لرجل آخر، وعليه لا ينتظر منها أن تكون مخلصة كالحرّة، ومن هنا جاء وصف العفيفة بالحرة. وهذا الوصف هو من تراث الماضي، وذلك عندما كان أغلب الزنا من شأن الإماء. وقد يكون من مؤيدات هذا الفهم والاستنباط أنّ ردة فعل العزيز لم تكن بالحدّة المنتظرة من زوج حُرّة: ".. قال إنّه من كيدكنّ إنّ كيدكنّ عظيم. يوسف أعرض عن هذا، واستغفري لذنبك إنّك كنت من الخاطئين". وعلى الرغم ممّا حصل فقد بقيت امرأة العزيز في عصمته، بل واستمرت في ممارسة سلطانها المستمد من سلطانه، وبقيت تتصرّف تصرّف الآمن من المؤاخذة:".. ولقد راودتُهُ عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليُسجننّ وليكوناً من الصاغرين"، فانكشاف أمرها لم يضعف من مكانتها. كل ذلك يعني أنّ الحدث لم يكن بالنسبة للعزيز مفاجأة غير متوقعة.

طبـاعة