القرب خاصيّة

بقلم: بسام جرار

جاء في الآية 11 من سورة الشورى: "... ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، من هنا ليس في قدرة البشر تصور ماهية الخالق سبحانه، لأنّ تصورات البشر نابعة عن الواقع المحسوس للأشياء. وإذا كانت ذاته سبحانه تختلف عن كل الذوات فصفاته أيضاً كذلك؛ فسمْعه يختلف عن كل سمع، وبصره يختلف عن كل بصر ... الخ. ومن الأمور التي أشكلت على البعض مسألة القرب والبعد؛ فالخالق لا يحده مكان وعلى الرغم من ذلك يمكن أن تقصده في مكان فتكون أقرب، ويمكن أن تقصده في زمان فتكون أقرب، ويمكن أن تقصده بعمل فتكون أقرب. جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم:" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".

عندما كلّم الله تعالى موسى، عليه السلام، كان ذلك في الوادي المقدس، جاء في الآية 12 من سورة طه: " إنّي أنا ربك فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوى"، وهذا يعني أنه عندما أراد سبحانه أن يكلم رسوله اختار مكاناً مقدساً ليكلمه، فللمكان إذن خصوصية. وعندما أقّت الله تعالى لموسى وقومه موعداً للقائه كان ذلك أيضاً في مكان؛ فقد جاء في الآية 80 من سورة طه: " يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوّكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ..."، وجاء في الآية 143 من سورة الأعراف: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا.. "، وجاء في الاية 143 من سورة الأعراف:" ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه، قال ربّ أرني أنظر إليك.. "، بل إنّ موسى، عليه السلام، قد استعجل اللقاء فسبق قومه إلى مكان اللقاء. جاء في الآية 83 و 84 من سورة طه: " وما أعجلك عن قومك يا موسى، قال هم أولاء على أثري وعجلتُ إليك ربّ لترضى".

جاء في الآية 55 من سورة آل عمران: " إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا..."، وجاء في الآية 157-158 من سورة النساء: " وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله إليه..."، واللافت هنا قوله تعالى:"ورافعك إلي" وكذلك: "بل رفعه الله إليه فالرفع هنا ليس رفع درجات كقوله تعالى:"نرفع درجات من نشاء"، بل الرفع كائن إلى الله تعالى. فإذا كان موسى، عليه السلام، قد عجل إلى مكان اللقاء وقال: " وعجلتُ إليك ربّ ... " فإنّ ذلك يجعلنا ندرك أنّ رفع عيسى، عليه السلام، كان إلى مكان في السماء له خصوصيّة، أي إلى مكان يحظى بتجليات إلهيّة تجعل الإنسان فيه أقرب إلى الله تعالى. ومن يحظى بمثل هذا المكان والمكانة يصح أن نقول إنّه عند الله، لأنه حظي بالقرب. ومن كان عند الله يكون في مكان خَصّه الله بتجلياته ورحماته وغير ذلك مما لا يطيقه العقل ولم يصل إليه التصور. وقد دلّت نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف على وجود مثل هذه الأماكن؛ كالبيت المعمور، وسدرة المنتهى، وجنة الماوى ... الخ.