سليمان وأيوب

بقلم: بسام جرار

أيوب عليه السلام نبي صابر، ضُرب بصبره المثل حتى قيل:" يا صبر أيوب". وقصته الشائعة بين الناس أخذت من سفر أيوب، وهو السفر 18 من أسفار العهد القديم، ولكنّه من الأسفار المختلف فيها بين فرق النصارى. ومن يقرأ هذا السفر يخرج بنتيجة أن أيوب هو رجل صالح كان غنياً جداً ثم ابتلي بجسمه وماله وعياله، وهذا أيضاً يستفاد من الآيات الكريمة التى تعرضت لقصة أيوب بإيجاز شديد. إلا أنّ صورة أيوب، عليه السلام، في القرآن الكريم هي صورة النبي الصابر الذي يلجأ ويجأر إلى الله تعالى.

ورد اسم أيوب في القرآن الكريم أربع مرات في أربع سور؛ مرتين يذكر الاسم مع غيره من الأنبياء، ومرتين تذكر قصته مع اختلاف في الطول وبعض التفاصيل، إلا أنها تبقى شديدة الاختصار، كما هو الأمر في أكثر القصص القرآني. واللافت أنّ القصة في سورة الأنبياء وسورة ص قد جاءت مباشرة بعد قصة سليمان. أما ورود الاسم في الآية 84 من سورة الأنعام فقد جاء في هذا السياق:" ... ومن ذريته داود وسليمان وأيوب .."، وكما تلاحظ جاء ذكر أيوب بعد ذكر سليمان، عليهما السلام. أما المرة الرابعة والأخيرة، التي ذكر فيها أيوب في القرآن الكريم، ففي الآية 163 من سورة النساء، حيث ورد فيها أسماء أحد عشر نبياً، منهم سليمان وأيوب. ومن اللافت أخيراً أنّ وصف أواب لم يوصف به من الأنبياء في القرآن الكريم إلا داود وسليمان وأيوب، عليهم السلام، وذلك حصرياً في سورة ص، والأواب هو الرجّاع إلى الله تعالى في جميع أموره وشئونه طاعة له.

 إنّ مثل هذا التلازم يوحي بوجود علاقة بين النبيين الكريمين، لا نظنها زمانية ولا مكانية ولا نَسبيّة... لأنّ القرآن الكريم يقصد إلى إبراز القضايا الإيمانية والاجتماعيّة والتربوية والتشريعية والأخلاقية... بعيداً عن الزمان والمكان والنَّسب. وبما أنّ قصة أيوب تتمحور حول قيمة الصبر فمن المتوقع أن يشير هذا التلازم إلى تجلّي هذه القيمة في سلوك، سليمان عليه السلام. وإذا كان الصبر مطلوباً ممن يبتلى بفقر أو مرض أو مصيبة..، فإنّ الصبر ممن يمتحن بالغنى والصحة والجاه والسلطان مطلوب أكثر. ومعلوم أنّ سليمان، عليه السلام، قد وُهب من السلطان ما جعله مضرب المثل في التاريخ البشري؛ فقد سخرت له الريح، وسخرت له مردة الجن، وسخرت له الجيوش التي لا قبل لأحد بها... بل لقد أطلقت يده في العطاء والمنع، انظر الآية 39 من سورة ص:" هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب".

ويبدو أنّ مثل هذا التمكين لسليمان، عليه السلام، قد كان بعد امتحان مناقض لامتحان القوة والسلطان، ألا وهو امتحان الصبر على العجز وسلب القدرة، انظر الآية 34 من سورة ص:" ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب"، إذا كانت الإنابة فيها معنى الرجوع، وإذا كان الرجوع هنا هو رجوع سليمان، عليه السلام – أي رجوعه إلى الصحة -، فإنّ احتمال أن يكون الجسد الملقى على كرسي الملك بلا حراك هو جسد سليمان، عليه السلام. وكان يمكن أن تكون الآية أوضح دلالة على هذا المعنى لو قيل:" وألقيناهُ على كرسيه..."، ولكن مثل هذا التعبير يتضمن معنى النبذ المنافي للتكريم. ويبدو أنّ صبر سليمان، على مثل هذا الابتلاء كان في أعلى المراتب إلى درجة أنّ نجاحه المتميز جعله يتمنى على ربه فيقول:" قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب". أما طلب المغفرة فهو ديدن المقربين الذين يستشعرون دائماً عظيم فضل المُنعم وقصورالمكلفين عن حقيقة الشكر.

إذا كان الهدف من الفتنة هو استخراج وإظهار الخير المستكن في النفس البشرية- كما الأمر في فتنة الذهب عند تعريض خامه للنار بهدف استخراج الذهب الصافي- فإنّ فتنة سليمان، عليه السلام، قد أبرزت صبره في أعلى مراتبه، فأصبح مهيّأً للتمكين في الأرض وقيل له:" هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب". وعليه فإنّ من المتوقع أن يكون أصلح الناس عند التمكين هم أولئك الذين صبروا على المصائب وعركتهم الابتلاءات قبل أن يمكّنوا. أما أرقى صور الصبر والمصابرة فهي صور أولئك الذين نجحوا لدى النعمة ولدى النقمة. وأمثال هؤلاء تحتاجهم البشرية من أجل خلاصها.