ولو تقوّل علينا

بقلم :  بسّام جرار

                                                                            

جاء في الآيات 44-47 من سورة الحاقّة:" ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين".

التقوّل: هو نسبة قولٍ إلى من لم يقله، والأقاويل افتراءات تتعلق بالأقوال المنسوبة إلى الغير. والذي يهمنا في هذا المقام هو توضيح أنّ المقصود بهذه الآية هو الرسول الحق، وليس كل من يدّعي الرسالة؛ فعندما يرسل الله تعالى رسولاً يؤيده بالأدلة والبراهين ليقيم الحجة على الناس، وبعد أن تُقام الحجة يقوم الرسول بإبلاغ الرسالة إلى المؤمنين الذين يُصدّقون الرسول في كل أقواله، لأنّه رسول الملك العظيم، الذي لا يخطر ببال أن يأذن بتحريف كلامه وإضافة الأقوال المكذوبة إلى مقامه العلي من قِبل من اختاره واصطفاه ليكون حجة على البشر.

من هنا جاء مفهوم العصمة مستنداً إلى بداهة العقول قبل استناده إلى الدليل النصّي. أمّا النصوص فكثيرة، منها: " سنقرئك فلا تنسى ... و " لا تحرك به لسانك لتعجل به، إنّ علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إنّ علينا بيانه"، و " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، ومنها أيضاً هذا النص من سورة الحاقة، الذي يُصرّح بأنّ تحريف الكلام من قِبَل الرسول – لو حصل افتراضاً - يُحتّم أن تُعجّل له العقوبة الحاسمة، رحمة بالعباد وتنزيهاً لمقام الربوبيّة. ويقارب هذا المعنى ما جاء في الآية 74، 75 من سورة الإسراء، خطاباً للرسول، عليه السلام:" ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا، إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثمّ لا تجد لك علينا نصيرا".

أمّا مدّعي النبوة والرسالة فلا يشمله هذا التهديد، وكذلك كل مُتقوّل نَسَب إلى الله تعالى ما لم يقله، فأولئك شأنهم مختلف وعقوبتهم مختلفة، وليس بالضرورة أن تُعجّل لهم العقوبة فتكون فوريّة وحاسمة، لأنهم لم يمتلكوا البرهان من الله ولم تقم لهم الحجة على العباد، ولم يخونوا الأمانة العظيمة بعد معرفة الحقيقة، وما هم في الحقيقة إلا فتنة من الفتن الكثيرة التي يميز الناس بواسطتها بين الخبيث والطيّب. وأمثال هؤلاء لا يملكون الحجة والبرهان، بل يعرفهم أهل الصدق بسيماهم، ولا ينخدع بهم إلا من أظلمت قلوبهم وعقولهم بظلمات معاصيهم وانحرافاتهم.

فإملاء الله تعالى للمفتري لا يكون دليلاً على صدقه، انظر قوله تعالى في الآية 178 من سورة آل عمران: " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، ولهم عذاب مهين". وكذلك لا تدل كثرة الأتباع والمصدّقين على صدق المدّعي، بل لو أطبق أهل الأرض كلهم جميعاً على القول بصدق المدّعي لا يكون صادقاً حتى يأتي بالبرهان الذي تخضع له العقول والقلوب. وتاريخ البشرية وواقعها المعاصر يشهد بذلك، بل إنّ بعض الأنبياء لم يتبعه إلا الرجل والرجلان، في حين نجد أنّ بعض أئمة الكفر قد اتبعتهم الملايين من البشر. نقول هذا حتى لا نقع، نحن المسلمين، فيما يقع فيه الكثير من أهل العقائد المختلفة من أخطاءٍ في منهج الاستدلال وإقامة الحجة.