بورك من في النار

بقلم: بسام جرار

 جاء في الآيات 7_9 من سورة النمل:" إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيم"ُ

أشكل قوله تعالى:"... بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا..." على ثلة من أهل التفسير؛ فقال بعضهم إنّ مَنْ في النار هم الملائكة، وقيل موسى، عليه السلام، وقَدّر بعضهم محذوفاً ليقول إنّ المقصود هو الله سبحانه وتعالى، والذي أمره وكلامه في النار...الخ. وفي  محاولة لإلقاء الضوء على المعنى المحتمل للنص الكريم نقدم بمقدمات من سورة طه وسورة القصص، حيث أتت بتفصيل للقصة نفسها، والتي تضعنا في صورة الحدث الجليل، عندما اختار اللهُ تعالى عبده موسى، عليه السلام، ليحمل رسالته:

جاء في الآية 12 من سورة طه:" إنّي أنا ربكَ فاخلع نعليكَ إنّك بالوادِ المقدسِ طُوى": فعندما نادى الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله، كان موسى، عليه السلام قد حلّ بالوادي المقدس، فقد أتى به اللطيف الخبير وهو لا يدري. والمقدس: هو المُطهّر. ويبدو أنه قد طُهّر تطهيراً خاصّاً من أجل أن يُكلِّمَ الجليلُ مُصطفاهُ. ومما يوحى بهذا المعنى قوله تعالى:"...فاخلع نعليك إنّكَ بالواد المقدّسِ طوى".

جاء في الآية 30 من سورة القصص:" فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ": والوادي هنا هو الوادي المقدس طوى. أما الشاطئ فهو جانب الوادي. وأما الأيمن فيمكن أن يكون من اليُمن والبركة ؛أي الأكثر يمناً وبركة، وهذا يناسب أجواء الحدث؛ فالحدثُ في الوادي المقدس، وفي الجانب الأكثر يُمناً. أما إذا كان المقصود الجانب الذي على يمين الوادِي، فهذا على اعتبار أنّ مسيل الماء يُحدد جهة اليمين وجهة اليسار.

" فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ": والبقعة هي القطعة من الأرض التي تتميز عن غيرها، وهي مباركة. والشجرة التي هي في البقعة مباركة أيضاً. ولا أدري ما الذي صرف المفسرين فلم يقولوا بأنّ البقعة هي مساحة مميزة في الشجرة؟! إلا إذا كانت اللغة العربية تأبى ذلك، على اعتبار أنّ البقعة هي القطعة من الأرض. وعليه يصبح المعنى: أنّ النداء كان في البقعة المباركة وبالذات من الشجرة.

فالوادي مقدس ومطهّر لاستقبال الحدث، وسيكون النداء في الجانب الأكثر يُمناً، وفي البقعة المباركة من هذا الجانب، وعلى وجه الخصوص في الشجرة المباركة. ونقول بعبارة أخرى: في الشجرة المباركة، الموجودة في البقعة المباركة، من الجانب الأكثر بركة، في الوادي المقدس، الذي يقع عند جبل الطور. هناك كان النداء الجليل في أجواء القدسيّة والبركة، وهو نداء سيقدّس ويطهّر، وسيفيض بالبركات على من آمن من الناس.  ولكن ابتداءً ستفيض البركات من الله تعالى على كل من حضر الموقف:

" بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ": هذا هو النداء، وهذا هو الإعلان. وبما أنه نداء الخالق وإعلانه فقد حلت البركة على كل من شهد. ولفظة:" بورك " واضحة الدلالة على أنّ الله قد أفاض البركة على من في النار ومن حولها في هذا الواد المقدس. فقد تمت إفاضة البركة فتحصّلت لمن وُجد في المكان من العقلاء الذين تشير إليهم (مَنْ). وبهذا تكون البركة قد فاضت على كل موجودات الوادي، من العقلاء وغير العقلاء.

 " مَنْ فِي النَّارِ ": لا أدري لماذا يحتار أهل التفسير عند تفسير هذه العبارة!! فلعلهم لم يعهدوا أن يكون في النار أحد إلا واحترق، ومن هنا جاءتهم الحيرة!! ولا داعي لذلك كله، لأننا أمام حدث جليل لا ينتمي إلى السنن المعهودة. الخالق المطلق يكلم المخلوق المحدود، ويكون الكلام في النار التي هي في الشجرة.

 ويكون في النار- التي يتكلم فيها الجليل- ما فيها من مخلوقات الله المدركة المنوّرة بأنوار القدس، والتي أتت في موكب مهيب تشهد نداء الله لرسولٍ من رسله من نسل آدم، الذي أسجدت له الملائكة الكرام. فلعلنا إذن نخمّن أنّ في النار المباركة- النار التي لا ندرك حقيقتها- ملائكةً يشهدون الوحي. فأفاض الله تعالى عليهم البركات.

" وَمَنْ حَوْلَهَا ": فالملائكة إذن فيها وحولها تملأُ المكان. أما موسى، عليه السلام، فظاهرٌ أنه ممن حولها. والمهم أنّ مَنْ في النار هم عقلاء يستحقون أن يفيض الله تعالى عليهم بالبركات، وكذلك من هم حولها.

" وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ": أما الله تعالى فيتنزّه عن كل ما لا يليق بجلاله، وعظمته، وعزّته. وهو يفيض بالبركات على المخلوقات ولا يفيض عليه أحد، تعالى الله عمّا يظنّون. 

وأخيراً نجد من المناسب لفت الانتباه إلى أنّ قول الله تعالى:" بورك من في النار"، قد أوصل إلينا معلومة بأنّ هناك كائنات مُكرّمة قد حلت في النار، وإن كنا غير قادرين على تصور ذلك، نظراً لمحدودية الحس والعقل لدينا. والمتدبر للآية العاشرة من سورة النمل:" وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ... "، يجد أنّ الله  سبحانه وتعالى قد شبّه اهتزاز العصا باهتزاز الجن، على الرغم من كوننا لم نشاهد الجن، إلا أننا قد علمنا من الآية الكريمة حقيقة من حقائق عالم الغيب، ألا وهي أنّ الجن مخلوقات ذات اهتزاز. إلا إذا كان الجان هنا هو نوع من الأفاعي، كما زعم البعض.