إنزال
الأنعام
بقلم: بسّام
جرّار
جاء في الآية
جاء في شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي
العز الحنفي المتوفى عام
لا يختلف موقف ابن أبي العز عن موقف الكثير
من المعاصرين الذين يصرفون معاني الألفاظ عن الحقيقة اللغوية لأنهم ببساطة لا
يقبلون القول بنزول الحديد والأنعام من السماء، وهم بذلك يُحكّمون معارفهم القاصرة
في كلام الله العزيز الحكيم. فمن أين لهم القول بأنّ الأنعام قد خلقت في الأرض ؟!
وهل يستحيل في العقل أن يُنزّل الخالق القدير ما شاء من المخلوقات لحكمة يريدها ؟!
وإذا كنا لا نتصور ذلك فكيف أمكننا أن نتصور حادثة الإسراء والمعراج، وحادثة نزول
آدم وزوجه إلى الأرض. أمّا أهل الإلحاد فإنهم أسرى الواقع المحسوس ويذهلون عن كل
ما وراءهُ من أسباب وعلل.
ذكر الأستاذ زغلول النجار – وهو مختص في
هذا الباب – بأنّ العلماء يجزمون بأنّ الحديد لم يتكون في الأرض ولا في المجموعة
الشمسية، لأنه يحتاج إلى طاقة هائلة لا تتوافر في المجموعة الشمسية ... ومن هنا
نجدهم يُقدّمون تفسيراً لوجود الحديد في الأرض يتمثل في انفجار بعض النجوم
المحتوية على عنصر الحديد وتناثر مكوناتها في الفضاء مما أدى إلى نزول الحديد
بكثافة على الأرض، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الأرض هشة غير متماسكة، وفي الوقت
الذي لم يكن الغلاف الجوي قد تكوّن. مما أدى إلى اختراق ذرات الحديد لطبقات الأرض
المختلفة.
وبغض النظر عن صدق ذلك علمياً إلا أنّ هذا
التفسير يجعلنا نفهم من غير حيرة ولا ارتباك قوله تعالى:" وَأَنْزَلْنَا
الْحَدِيدَ "، فلا داعي للتأويل، ولا داعي لصرف الألفاظ عن ظاهرها
وحقيقتها اللغوية.
وما يقال في الحديد يُقال في الأنعام، إلا
أنّ نزول الأنعام وتميُّزها على باقي الحيوانات والدواب يدفعنا إلى التنبّه إلى
ضرورة إجراء دراسات مستفيضة تتعلق بالأنعام، لأنّ الآيات الكريمة وضعت أيدينا على
بداية الخيط الذي يمكن أن يقودنا إلى اكتشاف بعض أسرار الخلق.
جاء في الآية 6 من سورة الزمر:" ... خَلَقَكُمْ
مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ
الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ
خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ... ".
يذهب أهل التفسير إلى أنّ النّفس الواحدة
هنا هي نفس آدم، عليه السلام، والذي خُلق خلقاً متميزاً، كما هو الأمر في خلق
المسيح، عليه السلام: "...ž إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ... " آل عمران:
" ...
وَأَنْزَلَ
لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ... ": من
الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين. واللافت أنّ
الكلام عن نزول الأنعام جاء بعد الكلام عن خلق آدم وحواء وقبل الكلام عن قانون
الزوجية، وقد يشير ذلك إلى أنّ نزول الأنعام كان قبل نزول الإنسان وتمهيداً لنزوله، وذلك لأهمية الأنعام التي
ذللها الخالق الحكيم: " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71)
وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ
فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (73)" يس:
جاء في الآية
جاء في الآية
لا شك أنّ تذليل الأنعام وتدجينها للإنسان
من الأمور اللافتة في خلقها، فكأنّ واقعها يقول: لقد خُلِقتُ لخدمة هذا الكائن
المكرم، وجُعلت قريبة منه. بل هي بحاجة إلى رعاية الإنسان وحمايته، فانظر إلى
الخراف، مثلاً، هل تملك لنفسها شيئاً أمام اعتداء الحيوانات المفترسة، على خلاف ما
هو عليه الغزال من سرعة وحذر.
إنها دعوة مُوجّهة إلى أهل العلم والنظر
لعلنا نعيد تقييم نظرتنا إلى أصل هذه الكائنات ووظيفتها وما يحمله خلقها من أسرار.
ولا يفوتنا في النهاية أن ننبه إلى أنّ السورة السادسة في ترتيب المصحف هي سورة
الأنعام، وأنّ أطول سورة من سور القرآن الكريم هي سورة البقرة.