بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة في الاستواء

بقلم: بسّام جرّار

طال الخوض في مسألة الاستواء. ولا نقصد هنا أن نخوض مع الخائضين، لأننا نعلم أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته. كما ونعلم حقيقة قصور العقل البشري عن إدراك جوهر المطلق سبحانه. وإنّ من علامات الخلل في الفهم والإدراك، الخوض في عالم اللانهائيات. وقد مضت سنوات طويلة ونحن ُنعلّم وندرّس فلم نجد حاجة إلى أن نخوض في مثل هذه المسائل، لأنّ الناس بفطرتها السوية تفهم الأمور من غير لبس، ولم نجدهم يوماً يطرقون في أسئلتهم مثل هذه القضايا، حتى جاء من يبعث فيهم الجدل القديم ويكدر صفو إيمانهم.

فالذي نقصد إليه في هذا المقال أن نبين معنى الاستواء، لإدراكنا أنّ وضع النقاط على الحروف يساعد على الفهم الصحيح ويحفظ من الزلل.

جاء في الآية 14 من سورة القصص:" ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلما...": يقول الطبري، رحمه الله:" استوى: تناهى شبابه وتم خلقه..."، ويقول الألوسي، رحمه الله:" استوى:" كمل وتمّ..". فاستوى هنا فيها معنى اكتمال خلقه واكتمال نضجه عليه السلام. وجاء في الآية 29 من سورة الفتح:"... كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه...": هنا أيضاً نجد أنّ استوى تحمل معنى اكتمال النضج أو اكتمال الاستقامة. وجاء في الآية 44 من سورة هود:"... وقُضي الأمر واستوت على الجودي..": والمقصود هنا سفينة نوح، عليه السلام، حيث استقرت على جبل الجودي، كما يقول أهل التفسير. وكلمة استوت هنا لا تعني استقرت، وإنما تعني استقرت تماماً، أو اكتمل استقرارها. وجاء في الآيتين 12،13 من سورة الزخرف:" والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون، لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه...": هنا الاستواء لا يعني الاستقرار، ولكن يعني كمال الاستقرار. والاستواء هنا لا يعني العلو، وإنما فُهم العلو من لفظة عليه، وليس من لفظة استويتم. وجاء في الآية 29 من سورة البقرة:"... ثم استوى إلى السماء فسواهنّ سبع سماوات...": هنا عدّيت استوى بـ إلى فلا تفيد معنى كمال العلو وإنّما تفيد كمال القصد، فقد كانت السماء واحدة في كينونتها فتوجه الخالق بإرادته التي هي كاملة وقدرته الكاملة إلى جعلها سبع سماوات. وجاء في الآية 18 من سورة السجدة:" أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون": المقصود هنا المساواة. والتساوي هو في الحقيقة كمال التماثل. والخط المستوي في اللغة هو الخط المكتمل في استقامته.

وعليه يمكن أن نقول: إنّ الاستواء هو كمال الحال أو تمامه. وسياق الكلام هو الذي يفيد الحال التي اكتملت أو تمت أو الكاملة التامّة. ومن هنا لا يصح أن نعطي معنى كلمة استوى حتى نعلم الحال التي يقصدها الكلام. وعليه فإن كلمة استوى لا تفيد معنى العلو حتى تُعدّى بعلى، فتعني عندها كمال العلو الذي أفادته لفظة على. ولا تفيد معنى قَصَد حتى تُعدّى بـ إلى، ولا تعني الاستقامة حتى يفيد السياق ذلك....الخ.

جاء في الآية 3 من سورة يونس:" إنّ ربكم اللهُ الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبّرُ الأمر...": هنا استوى تفيد العلو كونها عُدّيت بعلى. فعلى هنا هي التي تفيد العلو، أما استوى فتفيد كمال العلو الذي أفادته على. فعلو الله على العرش هو العلو الكامل الذي لا نقص فيه، فهو استواء. أما لماذا استخدمت هنا لفظة (ثم)؟! فالجواب: لأنّ الخلق لا يكون كاملاً وتاماً من بدايته، فذلك يتعلق بالإرادة الإلهيّة؛ فإذا أراد الله الوجود على الوجه الفوري فإنما يقول له كن فيكون. وإذا أراده متدرجاً، لحكمة يعلمها، يكون متدرجاً في وجوده حالاً بعد حال. وهذا من إيحاءات صفة الصبور.

وبما أنّ الخلق بدأ صغيراً وتكامل كبيراً، كان كمال العلو الرباني- والذي هو كمال دائم- على الخلق الكبير الذي يتضمن ويشتمل على الخلق الأصغر، ومن هنا جاءت ثمّ المتراخية. فثمّ تكون من جهة تدرج ظهور المخلوق للوجود.