فضحكت

بقلم: بسام جرار

جاء في الآيات (69 – 71) من سورة هود:" وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ".

كان لوط ممن آمن لإبراهيم، عليهما السلام، وهاجر معه إلى الأرض المباركة فلسطين. واللافت أنّ الرسل (الملائكة) الذين أرسلوا لإهلاك قوم لوط قد جاءوا أيضاً بالبشرى لإبراهيم وزوجته سارة. والذي يهمنا هنا أن نحاول التعرّف على الأمر الذي أضحك سارة سلام الله عليها. وقد يستغرب البعض ذلك، لعدم أهميّة الأمر، حيث لا ينبني عليه شيء من أمور العقيدة أو التشريع. ولكننا نهدف إلى لفت الانتباه إلى أهميّة السياق في توضيح معاني الألفاظ. كما ونهدف إلى تصويب ما وقع فيه البعض وهم يبحثون عن سبب ضحك سارة، أو يفسّرون معنى ضحكت. فقد بلغ الأمر ببعض أهل التفسير أن يقول إنّ ضحكت هنا بمعنى حاضت!!!

"... فمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ": واللافت هنا مسارعة إبراهيم عليه السلام في إكرام الضيوف قبل معرفة حقيقتهم. والمشهور من عادات العرب أنهم لا يسألون الضيف عن شأنه قبل ثلاثة أيام من الضيافة. ثم يلفت انتباهك أنّه جاء بعجل، وهذا من كرمه عليه السلام. ثم إنّ ذلك مُشعِر بعددهم على وجه التقريب، مع ملاحظة أنّ الكريم يقدم أكثر من الحاجة.

".. بعِجْلٍ حَنِيذٍ": حنذ اللحم: شواه وأنضجه، فاللحم حنيذ. وجاء في مختار الصحاح: حنذ الشاة: شواها وجعل فوقها حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ. وعليه فالحنيذ هو المشوي على الحجارة (الرضف)، ويكون غالباً بوضع العجل في حفرة خاصة فيها رضف ويوقد عليها ثم يُغلق باب الحفرة فينضج اللحم بسرعة. وتسمى هذه الطريقة في فلسطين (الزرب). وهي طريقة أسرع في الإنضاج من الطبخ، الذي يقتضي تقطيع اللحم. وعدم تقطيع العجل والإتيان به كاملاً أبلغ في الإكرام وفق عادات القدماء. وقد ُتوورِث ذلك حتى وصلتنا مثل هذه العادات الكريمة.

مسارعة في الإكرام، وعجل مشوي قدّم كاملاً ليعلموا أنه قد ذبح وشوي من أجلهم،  وصاحب البيت يقوم هو وزوجه على خدمتهم، ولم يُسألوا عن أشخاصهم. أي أنه  قد تمت مراعاة كل آداب الضيافة، فليس لديهم من الأسباب ما يمنعهم من الأكل، وعلى الرغم من ذلك كله وجدناهم يمتنعون!!!

" فلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً": فعندما يمتنع الضيف مع توافر آداب الضيافة فإنّ ذلك يعني أنه يُضمر شراً للمُضيف. وهذا معروف في عادات العرب وأهل البداوة. وفي المقابل إذا مد الضيف يده إلى الطعام فإنّ ذلك يعني المسالمة. من هنا ندرك حاجة المفسر إلى معرفة عادات وأعراف القدماء ليفهم ملابسات مثل هذه المواقف. وبهذا أصبح مفهوماً إنكار موقفهم هذا من قِبل إبراهيم عليه السلام. وكيف لا يستشعر الخوف ويضمره وقد بدا منهم ما يُشعر بالعداء؟!

" وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ":

أما سارة، سلام الله عليها، فلا تُجالسهم، وإنما تقف في ناحية وقفة المستعد للخدمة وتقديم واجبات الضيافة. ولا شك أنّ موقفهم في عدم الأكل جعلها تحس الخوف وتقف متحسبة تراقب وترقب. وفجأة تكتشف أنّهم رسل الله الكرام في صورة البشر، فتنتقل من أعلى درجات التوتر إلى دهشة المفاجأة السارة فتضحك. وهذه ردة فعل طبيعيّة في مثل هذا الموقف. وغالباً ما يكون الضحك للمفارقة الكبيرة بين حالة التحسب وما تأتي به المفاجأة من تناقض بين ما نظن وما هو واقع.

" وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ": نعم، في لحظة زوال التوتر والانفعال السار بالمفاجأة – المعبر عنه بالضحك – تأتي البشرى بما هو غير متوقع، فتكون مفاجأة أخرى، هكذا: توتر وخوف وتحسب، ثم تأتي المفاجأة بزوال هذا الخوف، ثم تأتي المفاجأة ببشرى تتعلق بالولد والحفيد بعد سن اليأس. في المقابل يكون إبراهيم عليه السلام في حالةٍ من التوتر والتحسُّب والخوف المكبوت، ثم فجأة يكتشف أنهم رسل الله قد جاءوا بعقوبة الاجتثاث لقوم لوط. هكذا: خوف وتوتر وتحسب، ثم فجأة يكتشف أنهم رسل كرام لا يقصدونه بسوء ولكنهم جاءوا لإنزال الغضب على رؤوس المنحرفين. وكأن موقفهم الأول كان نوعًا من التهيئة له عليه السلام لتلقي الخبر غير السار المتعلق بإبادة قوم لوط. أما البشرى فكانت بعد خوفه منهم ثم إدراكه للمهمة التي جاءوا من أجلها. واللافت هنا أنّهم لم يبدأوه بالبشرى، وإنما مهّدوا له بخوف وترقّب، ثم كشفوا له حقيقتهم وحقيقة مهمتهم، ثم جاءوه بالبشرى بمخاطبة زوجه وهو يسمع.