يا أخت هارون

بقلم بسام جرار

 جاء في الآية 28 من سورة مريم:" يا أختَ هارون ما كان أبوكِ امرأَ سَوْءٍ وما كانت أمّكِ بغياً". هذا قول قوم مريم عندما جاءَتهم، عليها السلام، تحمل مولودها ولم يعهدوا لها زوجاً من قبل. وقد أشكل على البعض قوله تعالى على لسان القوم:" يا أخت هارون...". أما المبشرين- المنصّرين- الذين اعتادوا اختراع الإشكالات حول النص القرآني الكريم، فزعموا أنّ هذا القول من الأخطاء التاريخية التي وقع فيها القرآن الكريم!!

جاء في صحيح مسلم وغيره عن المغيرة بن شعبة قال:" لما قدمتُ نجران سألوني: فقالوا:" إنكم تقرؤن: يا أخت هارون، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟! فلما قدمتُ على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سألته عن ذلك فقال:" إنهم كانوا يُسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم". فنصارى نجران في زمن الرسول، عليه السلام، يحتجّون بالبعد الزمني بين مريم وهارون، عليهما السلام، على الرغم من كون الآية الكريمة لم تُصّرح بأنّ اسم هارون الوارد هنا على لسان القوم هو هارون النبي. والقرآن الكريم لم يقل اطلاقاً إنّ مريم هي أخت هارون النبي.

الصحابي الكريم المغيرة بن شعبة يسأل الرسول، عليه السلام، عن ذلك فتأتي الإجابة لتزيل اللبس، إن وجد عند البعض. وعلى الرغم من وضوح إجابة الرسول، عليه السلام، إلا أنّ أهل الضلال من المبشرين لا يتورعون عن الكذب على أتباعهم، من أجل أن يقولوا إنّ في القرآن الكريم أخطاءً.  وكأنهم بذلك يسوِّغون لهم الأخطاء الواردة في الكتاب المقدّس عندهم.

ومن أجل مزيد من الضوء على المسألة نقول:

أولاً: في الحديث الشريف تصريح بأنّ لفظة هارون في الآية الكريمة لا يُقصد بها هارون النبي. فلم يعد الإشكال إذن موجوداً من جهة البعد الزمني بين مريم وهارون النبي. فالاسم هارون الوارد في الآية لا يخص هارون النبي، وإنما كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم.

ثانياً: على الرغم من وضوح ذلك فقد بقي لدينا أكثر من احتمال لفهم كلام القوم وإدراك مقصودهم بمثل هذا التعبير. ومن هذه الاحتمالات أن يكون لمريم أخ شقيق، أو أخ لأب، أو أخ لأم، اسمه هارون. وما الذي يمنع ذلك، ألم يكونوا يسمّون بأسماء أنبيائهم ولا يزالون؟! بل إنّ أسماء الأنبياء تكون هي السائدة في المجتمع. ومن هنا نجد أنّ اسم محمد، مثلاً، يتكرر بشكل لافت بحيث لا يكاد يخلو منه بيت مسلم.

ويأخذ البعض على هذا الاحتمال أنه لم يرد في تاريخ النصارى أنّ لمريم أخاً اسمه هارون. والجواب على هذا بسيط؛ فعدم ورود الإثبات لا يعني النفي، وهذا بدهي في العقل. يضاف إلى ذلك أنّ الأناجيل الأربعة التي اعتمدت في القرن الرابع الميلادي قد اختلفت في سرد الوقائع المهمة وليس فقط الأسماء. ولو رجعتَ إلى شجرة نسب المسيح في إنجيل متى وشجرة نسبهِ في إنجيل لوقا لوجدت العجب. فالاختلاف في سلسلة أسماء الآباء والأجداد كبير. وإذا كان ذكر حادثة كلام المسيح، عليه السلام، في المهد قد أهمل تماماً، فمن باب أولى أن يهمل اسم أخٍ لأب أو لأم...الخ.

ثالثاً: تذكر التوراة المعتمدة لدى اليهود والنصارى أنّ لهارون النبي أختاً اسمها مريم وأشير إليها في أكثر من سفر. ومعلوم أنّ مريم، عليها السلام، هي ابنة عمران، كما ينص القرآن الكريم. واللافت أنّ التوراة المعتمدة لدى اليهود والنصارى تقول إنّ والد هارون وموسى، عليهما السلام، هو عمرام. وتحويل النون إلى ميم للتخفيف معهود في الناس؛ فاسم برهان، مثلاً،  ينطقه العامّة أحياناً برهام. وقد نص الحديث الصحيح على أنّ هارون هو ابن عمران.

رابعاً: فمريم الأولى أخت هارون النبي- هي ابنة عمران. ومريم أم عيسى، عليهم السلام، هي ابنة عمران أيضاً. ومتوقع ومعهود في عائلة مؤمنة أن تقتدي بالأنبياء والصالحين، فتتسمى بأسمائهم، كما ينص الحديث الشريف. ومن كان اسمه عمران يتوقع منه أن يسمي موسى وهارون ومريم.

خامساً: إذا كان اسمك إبراهيم فأنت أبو خليل، وإذا كان اسمك خليل فأنت أبو إبراهيم. وإذا كان اسمك علي فأنت أبو الحسن، وإذا كان اسمك الحسن فأنت أبو علي...الخ.  هذا هو المتعارف عليه في الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، لأنّ علي رضي الله عنه، مثلاً،  كان يُكنَى بأبي الحسن، وهكذا ...الخ. وقياساً على هذا يرجح لدينا أن تكون الآية الكريمة قد كشفت عن مثل هذا العرف في لسان قوم مريم، فكل من تسمَت بمريم هي عندهم أخت هارون، لأنّ مريم الأولى هي أخت هارون النبي، عليه السلام. أما لماذا لم تكن أخت موسى؟! فلأن نص التوراة المعتمدة عندهم تربط بين مريم وهارون أكثر مما تربط بين مريم وموسى، عليهم السلام.

وهذا الوجه ينسجم تماماً مع قول الرسول، صلى الله عليه وسلم:" إنهم كانوا يُسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم". وبذلك يكون القرآن الكريم، وهو يروي كلام القوم، قد كشف عن عُرفٍ تعارفه الناس في ذلك الزمن، مما يشير إلى تجذُّر الدين وتأثيره في نفوسهم، ولكن لا يشير بالضرورة إلى حقيقة تديّنهم واستقامتهم.