وحُرِّمَ ذلك على المؤمنين

بقلم: بسام جرار

 قال تعالى:" الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين". [النور: 3 ].

جاء في أضواء البيان للشنقيطي رحمه الله:" ... هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقاً، لأنّ حمل النكاح فيها على التزويج، لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنّها تعين أنّ المراد بالنكاح في الآية: التزويج: ولا أعلم مخرجاً واضحاً من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف، وهو أنّ أصح الأقوال عند الأصوليين، كما حرره أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة، هو جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنّهم عوروا عينه الباصرة وغوروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي.. أو فضته .

وإذا علمت ذلك فاعلم أنّ النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافاً لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، كما أشرنا له سابقاً. وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيُحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معاً، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسف الذي أشرنا له،

.... وأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية، والمانعون لذلك أقل...". انتهى .

فهي إذن من الآيات التي أشكلت على المفسرين، بل إنّ الشنقيطي رحمه الله لا يعلم مخرجاً واضحاً إلا مع بعض التعسف. وهذا القول هو الذي دفعنا إلى تناول هذه الآية الكريمة، لعلمنا بأنّه يمكن حل الإشكال من غير تعسف.

 قوله تعالى:" الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ": المقصود بالنكاح هنا الزواج، وأخطأ من قال إنّه هنا بمعنى الوطء. لأنه لا يُعقل أن يُطلق سبحانه وتعالى لفظة النكاح على عملية الزنا، فالزنا ليس بنكاح. ولو كان النكاح هنا بمعنى الوطء لأصبح المعنى:" الزاني لا يزني إلا بزانية..."، وهذا ينافي البلاغة، لأنّ لفظة الزاني تعني أنّ هناك زانية. فإن قيل قد يزني بغير زانية، كحالة الاغتصاب مثلا، نقول هذا رد على من زعم أنّ النكاح هنا هو الوطء، لأنّ الزاني قد يزني بغير زانية.

أما استدلالهم على ورود لفظة النكاح بمعنى الوطء بما جاء في الآية 230 من سورة البقرة:" فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ...فإنه استدلال خاطئ، مع إقرارنا بأنّ المرأة المطلقة ثلاثاً لا تحل للمُطلِّق حتى تتزوج زواجاً صحيحاً ويدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها.

 أما لماذا هو استدلال خاطئ؟! فنقول:

لو كان المقصود هنا مجرد الدخول لقلنا إنّ المطلّقة إذا زنت تحلُّ للزوج الأول ولا يُشترط لذلك العقد الصحيح، وهذا باطل. ثم ألم يلاحظوا قوله تعالى:" تنكح زوجاً"، فإذن لا بد من عقد الزواج أولاً حتى يصح الدخول المحلل. وعليه نقول: إنّ لفظة النكاح تُطلق في القرآن الكريم على عقد الزواج، وتطلق أيضاً على الدخول الصحيح الذي يكون عن زواج. أما مجرد الدخول فلا يسميه القرآن نكاحاً. وقوله تعالى:" تنكح زوجاً غيره"، بدل قول:" تنكح غيره"، لمنع الاحتمال القائم في اللغة العربيّة.

يضاف إلى ما سلف أنّ الأحاديث التي صحّت في سبب النزول تشير إلى الزواج؛ فعندما أراد مرثد أن يتزوج عناقاً الزانية نزلت الآية الكريمة. أما ما زعمه بعض المعاصرين من أنّ مرثداً استشار في العلاقة المحرمة فغير وارد تماماً، لأنه رضي الله عنه رفض عرض عناق وأخبرها أنّ الإسلام حرّم الزنا. ثم استفتى الرسول عليه السلام في زواجها فنهاهُ.

فإذا كان النكاح هنا بمعنى الزنا فلماذا أضيفت لفظة "مُشْركة"؟! أَمَا كان يكفي أن يقال:" الزاني لا ينكح إلا زانية"؟! فالمشركةُ إذا زنت تكون زانية، فما معنى اضافة وصف الشرك مع توافر وصف الزنا فيها؟! إلا إذا قلنا إنّ لفظة زانية لا تنطبق إلا على المسلمة التي زنت، وهذا باطل.

" الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً، وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ...": هذا إخبار من الله تعالى يُمهّد للحكم الشرعي القادم. وخلاصة المعنى أنّ الزانية لا  يقبل الزواج منها إلا زانٍ مثلها أو مشرك، وكذلك الأمر في الزاني، فلا يقبل الزواج منه إلا زانية أو مشركة. وفي هذا تنفير للمسلمين من زواج الزواني، كمقدمة للتصريح بالتحريم. أما لماذا الزاني يقبل بزواج الزانية والعكس، فلأنّ ارتكاب هذه الفاحشة يجعلها مع التكرار مستساغة ومقبولة، وهذا أمر ملاحظ في الواقع. أمّا المُشْرك فمفهوم الحلال والحرام عنده لا يمنعه من ذلك، وهذا ملحوظ في الأمم غير الإسلامية إلا من شذ.

التبس الأمر على بعض أهل التفسير فتصوّر أنّ القول بأنّ لفظة النكاح هنا بمعنى الزواج يؤدي إلى القول بجواز تزوج المسلم بالمشركة والمسلمة بالمشرك، وهذا باطل. وهو تصوّر في غير محله. نقول:

الزاني قد يكون مسلماً وقد يكون غير مسلم، وكذلك الزانية. فالزانية – بغض النظر عن عقيدتها- يقبل الزواج منها من كان زانياً أو من كان مشركاً. والزاني – بغض النظر عن عقيدته – يقبل الزواج منه من كانت زانية أو مشركة. وهذا كما تلاحظ لا علاقة له بالحكم الشرعي المتعلق بحرمة الزواج من المشرك أو المشركة. وعلى الرغم من وضوح ذلك نجد من المناسب أن نذكر ما رجّحه الألوسي من أنّ حادثة الإفك كانت في السنة الخامسة للهجرة، مما يشير إلى نزول هذه الآية في السنة الخامسة أيضاً، لأنّ الآيات المتعلقة بحادثة الإفك تأتي مباشرة بعد هذه الآية. أما تحريم الزواج من المشركين فكان بعد صلح الحديبية، أي السنة السادسة للهجرة.

 وبعد هذا التمهيد يأتي الحكم الشرعي المتعلق بالزواج من الزناة:" وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين": وقد زعم البعض أنّ اسم الإشارة هنا يرجع إلى فعل الزنا، أي وحُرّم الزنا على المؤمنين. وهذا غير صحيح لما قدّمنا من أنّ الكلام هنا عن الزواج من الزناة وليس الكلام عن الزنا. وعليه يكون المعنى: وحُرِّمَ زواج الزناة على المؤمنين. والمقصود هنا مَن شأنهم الزنا ولم يتوبوا منه، كما هو أمر الكثير من الغربيين والغربيات الذين لا يجدون غضاضة في الزنا ولا يقيمون وزناً للتوبة منه.

وإذا كان الزواج من الزاني غير التائب حراماً ابتداءً، فإنّ ذلك لا يعني حرمة الاستمرار في الزواج في حال تمّ الزنا بعد الزواج - وإن عافته النفوس السويّة- لأنّ الدليل قام على حرمة إنشاء الزواج من الزاني غير التائب، ولم يقم الدليل على حرمة الاستمرار، بل لقد قام الدليل على جواز الاستمرار في الزواج. وليس هذا مقام تفصيل ذلك، بل هو مقام إثبات أنْ لا اشكال في الآية الكريمة ولا في دلالتها على الحكم الشرعي.