إني فاعل ذلك غدا

بقلم :  بسّام جرار

تتحدث الآيات من 9 إلى26  من سورة الكهف عن قصة أصحاب الكهف. واللافت أنّ سرد القصة يتوقف في الآيتين 23 و 24 ليتم الإعلان عن مبدأ عقدي وهو: " ولا تقولنّ لشيءٍ إني فاعلٌ ذلك غداً ، إلا أن يشاءِ اللهُ، واذكر ربك إذا نسيتَ وقل عسى أن يهدينِ ربي لأقربَ من هذا رشداً". ثم يعود النص الكريم إلى سرد القصة:"ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا"

قصة أصحاب الكهف هي قصة مغرقة في القدم، والقارئ للآيات الكريمة يعيش مع القصة لحظات جليلة مضت، ثم يفاجأ بكلام عن المستقبل، ثم عودة إلى القصة التاريخية. وهذا أمر يستحق التوقف والنظر؛ فإذا كانت القصة في القرآن الكريم تاتي للعظة والاعتبار فإنّ ذلك قاسم مشترك لكل القصص القرآني، أما هنا فهناك إشارة وتنبيه إلى أنّ ما تسرده الآيات الكريمة من تفاصيل قصة أصحاب الكهف له صلة بالمستقبل المقبل، على الرغم من كون أحداث القصة مضت في التاريخ.

ولا نهدف هنا إلى الحديث حول هذه المسالة، ولكن نهدف إلى التوقف عند الآية 23 والآية 24 لنطرح تصورنا حول المعنى الذي نراه أقرب إلى روح النص القرآني. وقد دفعنا إلى هذا ما رأينا من استناد جمهرة المفسرين في تفسير الآيتين الكريمتين، إلى حديث رواه ابن اسحق عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الحديث الذي يورده بعض أهل التفسير كسبب لنزول الايتين الكريمتين، وينص على أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد نسي أن يقول: "إن شاء الله"، وذلك عندما قال لزعماء قريش إنه سيخبرهم غداً بخبر أصحاب الكهف. وهو حديث ضعيف، في سنده رجل مجهول العين. وعلى الرغم من ضعف الحديث إلا أنّ أهل التفسير يفسرون الآية بما يعزز المعنى المستفاد من سبب النزول هذا.

ولو كان الأمر كما يقولون لكان الأقرب في الذهن أن يكون نص الآية 23 من سورة الكهف هكذا:"ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله"، ولكنك تفاجأ بأنّ نص الآية الكريمة هكذا:" ولا تقولنّ لشيءٍ إني فاعلٌ ذلك غداً". ويدهشك أن تبدأ الآية 24 هكذا:" إلا أن يشاءَ اللهُ واذكر ربك إذا نسيتَ وقل عسى أن يهدينِ ربي لأقربَ من هذا رشداً" .

وإذا علمنا أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يقف في نهاية كل آية أدركنا أنّ المعنى قد تم. وإذا توهمنا أنّ المعنى لم يتم فعلينا أن نُمعن النظر، لعلنا نصل إلى المعاني المخبوءة خلف عدم الاكتمال الظاهري للمعنى. ومعلوم أنّ وضوح المعنى في الظاهريصرف أحياناً عن التدبر العميق.

"ولا تقولنّ لشيءٍ إني فاعلٌ ذلك غداً": هذه بدهية عقدية ينبغي أن تكون حاضرة في عقل وقلب كل مؤمن:"إياك أن تقول، وإياك أن تزعم، أنك فاعل في المستقبل"، فالله سبحانه هو المالك الحقيقي للحاضر والمستقبل:"قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير" 26 آل عمران. فعلى الإنسان إذن أن يتواضع لله فيُعلن أنه لا يملك المستقبل ولا يفعل في المستقبل.

إلا أنّ الإنسان قد يستشكل هذا الأمر عندما يلاحظ أنه يصنع المستقبل؛ فكم من خطة كانت في الذهن أو على الورق ثم خرجت إلى حيز الواقع، بل إنّ ذلك كثير، بل إن واقع البشرية يدل على أنّ ذلك يغلب في حياة البشر. فإذا قام هذا الاستشكال في الذهن جاء الجواب حاضراً في مطلع الاية التي تلي:"إلا لأن يشاءَ الله"،  فكل ما يقع من فعل كان مخططاً له من قبل هو مما أذن الله به. فإذا رايت الناس يخططون للفعل المستقبلي وينجحون في ذلك فاعلم أنّ ذلك مما أذن الله به.

"واذكر ربك إذا نسيت": فهذه إذن حقيقة ينبغي أن تكون حاضرة في الفكر والقلب. وإذا حصلت غفلة وذهلتَ عن هذه الحقيقة فاذكر ربك الذي خلقك ورزقك وهداك. نعم هو الذي خلقك وخلق قدرتك ومشيئتك وفكرك وعلمك، وهو الذي يأذن أن يفعل كل ذلك في المستقبل.

 "وقل عسى أن يهدينِ ربي لأقرب من هذا رشداً": ويبقى القلب متعلقاً بالله تعالى؛ فهو واهب العقل والقلب، وهو الهادي سواء السبيل. ولن يبلغ إنسان كمال الرشد، ولكن يمكنه أن يرتقي في معارج الهداية والرشد، وعليه أن يبقى ساعياً ومتشوقاً لأن يكون أقرب ما يمكن إلى حقيقة الرشد؛ فكلما وصل درجة طلب وتمنى أن يكون أقرب منها إلى حقيقة الرشد السامية... وهكذا في مسيرة ارتقائية لا تتناهى في عالمنا الدنيوي. فإذا كنت طالباً الأقرب في أية حال وصلتها فإنّ ذلك يعني أنها مسيرة غير متناهية، كما هو الأمر عندما تقول: "الله أكبر"، فإنّ ذلك يشير إلى مفهوم لا نهائي على خلاف قولك: "الله كبير".