إسماعيل، عليه السلام

نظرات في المنهجيّة- الحلقة الأولى والثانية

بقلم: بسام جرار

ما يلفت نظر أهل الفكر من غير المسلمين أنّ القرآن الكريم لا يهتم بالتفاصيل المتعلقة بعالم الأشخاص والأوقات والأماكن. ومثل هذه الظاهرة القرآنيّة تضاف إلى دلائل نبوة الرسول عليه السلام. وهذا لا يعني أنه ليس بإمكاننا أن نستنبط الكثير والكثير من الأسرار المدّخرة في تفاصيل البناء القرآني المعجز. كيف لا، وقد وصف بكونه:" تبياناً لكل شيء". النحل 89

تنص التوراة المعاصرة على أنّ إسماعيل أكبر سناً من إسحاق، عليهما السلام. أما القرآن الكريم فلا يُعنى بمثل هذه المسائل، ولكنك تستطيع أن تستنبط هذه المعلومة من خلال ملاحظة التزام النص القرآني الكريم لذكر اسم إسماعيل قبل اسم إسحاق، وذلك في كل المواضع التى اقترن فيها الاسمان؛ انظر مثلاً الآية 133 من سورة البقرة:"...إبراهيم وإسماعيل وإسحاق..."، والآية 140 من سورة البقرة:"... إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط..."....الخ.

على الرغم من تصريح القرآن الكريم بأنّه وهب لإبراهيم عليه السلام إسماعيل وإسحاق:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ"إبراهيم 39 وعلى الرغم من كون ذلك من المسلمات عند المسلمين وأهل الكتاب، إلا أنّ هناك ما يلفت النظر ويدعو إلى التأمل أن تجد أنّ القرآن الكريم لا يذكر إسماعيل عليه السلام، عندما يشير إلى هبة الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام؛ انظر الآيات الآتية:

" فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيًّا"مريم 49

" وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ "الأنبياء(72،71)

"فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين"العنكبوت(27،26)

ونلاحظ هنا الآتي:

أولاً: يأتي ذكر هبة الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام بعد قصته مع قومه وهجرته إلى الأرض المباركة. وهذا أمر مشترك بين الآيات الثلاث كما نلاحظ.

ثانياً: ذُكر الابن إسحاق والحفيد يعقوب ولم يذكر الابن الأكبر إسماعيل، عليهم السلام، على الرغم من كونه قد وُهب أولاً بعد مغادرة إبراهيم عليه السلام لأرض العراق.

ثالثاً: أما عندما كان الكلام عن مكة والبيت الحرام فنقرأ في الآية 39 من سورة إبراهيم، وعلى لسانه عليه السلام:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء".

رابعاً: ربما كان السر في ذلك يرجع إلى أنّ القرآن الكريم لا يذكر الأسماء لمجرد إعطاء معلومة كانت في الواقع، وإنما يذكر بعض أسماء الأنبياء والرسل في سياق التأسيس للأفكار والقيم والعقائد والتشريعات بعيداً عن التفصيلات التي لا تخدم هذه الأهداف.

ونظراً لكون نُبوة إسحاق قد جاءت في إطار رسالة إبراهيم، عليهم السلام، فقد وجدنا أنّ اسم إسحاق قد تكرر في القرآن الكريم 17 مرة، وكل ذلك في سياق الكلام عن إبراهيم عليه السلام، ولم يشذ عن هذا موضع واحد.

أما اسم إسماعيل عليه السلام فقد ورد ذكره مستقلاً أكثر من مرة، ومن ذلك:" وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا" مريم 54 وهذا مفهوم لدينا لأنّ اسماعيل عليه السلام كان رسولاً إلى العرب في الجزيرة العربيّة، ولم تكن نُبوّته في إطار رسالة إبراهيم عليه السلام.

من هذا كله نستنج أنّ الكلام عن هبة الله لإبراهيم، عليه السلام، هو سياق الحديث عن هبة النبوة التي كانت في النسل. أما النسل الذي لا علاقة له بهبة النبوة فلم يذكر.

جاء في الآيات من 99 إلى 112 من سورة الصافات:" وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ. فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآَخِرِينَ. سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ".

هذه هي المجموعة الرابعة التي يمكن إضافتها إلى المجموعات الثلاث التي ناقشناها آنفاً. وفيها وفي سياقها تصريح بأنّ تبشير إبراهيم عليه السلام بالغلام العليم كان بعد قصته في العراق وإعلانه هجرته إلى الأرض المباركة. وقد اختلف العلماء حول اسم الغلام الحليم، أي الذبيح؛ فقال الجمهور إنه اسماعيل وقال غيرهم إنه إسحاق، عليهم السلام. والآيات الكريمة من سورة الصافات لا تصلح دليلاً لأيٍّ من الفريقين، نظراً لوجود الاحتمال مع صعوبة الترجيح. أما الذين يجزمون بقولٍ استناداً إلى هذه الآيات فتنقصهم المنهجيّة السويّة في الاستدلال.

أما من هو الذبيح فأمر لا يهم المسلمين كثيراً، لأنّ إسماعيل وإسحاق، عليهما السلام، نَبيّان كريمان مُسلمان لله تعالى. والعبرة بالدروس المستفادة من الحادثة الجليلة. أما أهل الكتاب فيجزمون أنّه إسحاق، عليه السلام؛ فقد جاء في الإصحاح 22 من سفر التكوين من التوراة المعاصرة:" خذ ابنك وحيدك إسحاق..." وقد تكررت لفظة (وحيدك) في الإصحاح 22 ثلاث مرات مما يطرح علامات استفهام كبيرة، لأنّ إسحاق عليه السلام لم يكن وحيد والده عند الحادثة، مما يشير إلى احتمال تحريف الاسم. يضاف إلى ذلك ما ورد في الإصحاح 17 من سفر التكوين:" إنّ سارة زوجتك هي التي تلد لك ابناً وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه ومع ذريته من بعده..."، فكيف يُؤمر عليه السلام  بذبح إسحاق وقد وُعد– قبل ميلاده - بأن يكبر إسحاق فيكون له نسل وذريّة، مع العلم بأنّ الإصحاح 22 ينص على أنّ إسحاق عليه السلام كان وقت الحادثة صبياً؟!

وما قيل في الاعتراض على أهل الكتاب يقال لمن ذهب من المسلمين إلى أنّ الذبيح هو إسحاق؛ فقد جاء في الآية 71 من سورة هود:" وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ"، فقبل أن يولد إسحاق بُشّرت ساره بحفيدها يعقوب بن إسحاق، عليهم السلام. فكيف يكون الذبيح إسحاق؟! وقد نسعفهم بجواب  يقنع البعض ولا يقنع آخرين، فنقول: الأمر بسيط، فيمكن أن يُنسي الله تعالى إبراهيم عليه السلام هذا الوعد فلا يتذكره عند الامتحان. وهذا جواب يختلف عن جواب رئيس طائفة نصرانيّة، حيث أجابني فقال:" كانوا يكتبون فلا يدري أحدهم ما يكتب الآخر".

وفي الوقت الذي يقول فيه تعالى عن هذا الامتحان:" إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِين" يُفاجئك عالم من علماء قُم -  يٌحاضر في الناس ويُنْقل درسه في فضائيّة – وهو يقارن بين موقف إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من جهة، وموقف جعفر الصادق من جهة أخرى، فيُهوِّن من موقف إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وصبرهما، ويرفع من قَدر جعفر وصبره، ويدلل على علو كعب جعفر في الصدق والصبر بقوله عندما وقف على ابنه وقد أُحضر ميتاً:" الحمد لله الذي يَقْتل أبناءنا ولا نزداد له إلا حُباً". لا أكتم القارئ بأنني صُعقتُ لسماعي هذا الكلام، فلم أكن أتوقع أن يجرؤ مُدّعٍ للإسلام على مثل هذا. اللهم ارحم عبدك  جعفر الصادق فإنه بريء من هذا البهتان العظيم.

 جواب الشرط في قوله تعالى:" فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاه..." محذوف. وزعم البعض أنّ الواو في:"وناديناه" زائدة، وهو قول لا يُعتد به. ويغلب أن يكون حَذف جواب الشرط لتعظيم المحذوف، كما هو معهود في اللغة. فكأنّ المعنى:" فَلَمَّا أَسْلَمَا وتلّهُ للجبين حصل ما حصل من أمر عظيم وناديناه...". ومن أجل أن نعلم ما يمكن أن يكون قد حصل نقول:

قوله تعالى:" وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا..."، فقيام إبراهيم عليه السلام بما قام به جعله مصدقاً للرؤيا، فلماذا الفداء إذن؟! ولم يكن هناك أي خلل أو تقصير من إبراهيم أو ولده عليهما السلام، فما الداعي للفدية؟!

كون الفداء كرماً ومِنّة من الله تعالى فهو من قبيل التكريم، ولا علاقة له بجبر أي نوع من التقصير كما هي الفدية. ولا يبعد أن تكون الحادثة لحكمة تقتضي أن يعلم البشر أن لا قربان بشري في شرع الله، وأنّ الأنعام تصلح لتكون القرابين التي تُقرِّب إلى الله تعالى.

وهناك احتمال نراه الأقرب إلى ظاهر النص، وهو أن يكون إبراهيم عليه السلام قد قام بعملية الذبح كاملة ثم اكتشف أنّ الله تعالى قد افتدى إسماعيل بذِبْح قام هو بذبحه وهو يظن أنه يَذبح ابنه. فالفداء هنا كان يُقصد منه درء الذبح عن إسماعيل في الوقت الذي ظهر الصدق الكامل من إبراهيم، عليهما السلام.

من مؤيدات هذا الوجه:

أولاً: قوله تعالى:" فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاه.."، قلنا إنّ جواب لما محذوف، ومثل هذا الحذف يشير إلى عظمة ما حصل. وعليه يحتمل أن يكون جواب لما: " فلما أسلما...قام بالذبح وقمنا بالاستبدال وناديناه".

ثانياً: قوله تعالى:" وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم "، الواو هنا لا تدل على ترتيب ولا تعقيب، ومن هنا لا يتوهم أحد أنّ الفداء كان بعد النداء.

 ثالثاً: مثل هذا التصور للحدث أعمق في الدلالة على صدق إبراهيم عليه السلام.

رابعاً: كون الفداء من الله تعالى يعزز هذا المعنى. ولو كان الفداء بعد أن صدّق إبراهيم عليه السلام الرؤيا لكان تسميته فداءً فيه نوع من التجوز، لأنّ حقيقة الفداء غير موجودة.

استشهد بعض النصارى بهذه الآية، ليدللوا على أنّ الفداء قد يكون من الله تعالى، وليقولوا بأنّ الله تعالى قد جعل ولده يعاني على الصليب – أو تجسد هو-  فداءً للبشرية من أجل مغفرة خطاياهم. ولنا على مثل هذا الاستدلال الملاحظات الآتية:

أولاً: لم يكن إسماعيل عليه السلام مستحقاً للذبح حتى يُفتدى، وإنما كان الأمر امتحاناً من الله تعالى ودرساً للمؤمنين إلى يوم القيامة.

ثانياً: كان الفداء ذِبحاً من الأنعام. ولو كان فداءً، كما يزعمون، لكان دليلاً على جواز أن يُفدى الأكبر قيمة بالأقل. ومن هنا لا ضرورة لأن يتجسد الله - تعالى عما  يقولون-  ليفتدي البشر فيغفر خطاياهم.

ثالثاً: أما كان بالإمكان أن تغفر الخطايا من غير أن تكون معاناة للغافر على الصليب؟!

وأخيراً نرجو أن يتسع صدر القارئ الكريم لأننا قد نغصنا عليه صفاء عقله ونفسه بذكر عقيدة الفداء والتجسد. فما ينبغي لمثل هذه العقيدة أن تناقش لمجافاتها للعقل والفطرة السوية، ولكن عذرنا أننا أردنا أن تكتمل لديه الصورة.