هما إذن كلمتان

بقلم: بسام جرار

جاء في الآية 59 من سورة آل عمران:" إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون". يلفت انتباه المتدبر للآية الكريمة قوله تعالى:"فيكون"، هكذا بصيغة المضارع بدل صيغة:" فكان". ومعلوم أنّ صيغة المضارع تدل على الاستمرارية. ولا يعنينا هنا البحث عن مخرج لغوي للمسألة، وإنما نريد أن نبين بأنّ استخدام الفعل المضارع هنا له دلالة زائدة على الفعل الماضي ينبغي التنبيه إليها.

 جاء في الآية 11 من سورة الأعراف:" ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم..."،  فالآية الكريمة تُصرّح بأنّ خلق آدم، عليه السلام، هو خلق لنا جميعاً، لاحظ قوله تعالى:" خلقناكم...صورناكم..". واستخدام ثمّ الدالة على التراخي يشير إلى أنّ الخلق تم أولاً، ثم بعد فترة كان التصوير بالصورة الإنسانية، ثم بعد فترة طُلب من الملائكة أن تسجد لآدم، عليه السلام، والذي كان خلقه بمثابة خلق لجميع البشر.

جاء في الآية 7 من سورة السجدة:"...وبدأ خلق الإنسان من طين"، فالطين إذن كان البداية، أما النهاية فكانت كمال الخلق البشري. أي آدم، عليه السلام. وبين ذلك أمور يعلمها الخلاق العليم. وبما أنّ خلق آدم هو خلق لنا جميعاً، كما تُصرّح آية الأعراف، فإنّ ذلك يعني أن خلق آدم مستمر فينا حتى يولد آخر إنسان في هذه الدنيا. فآدم، عليه السلام، لا يزال ينسل (يكون) حتى يأذن الله تعالى باكتمال الوجود الآدمي، وعندها تنتهي خلافة الإنسان على الأرض لينتقل إلى عالم الآخرة.

 وبما أنّ مثل عيسى كمثل آدم، عليهما السلام، فهو أيضاً كآدم تستمر كينونته إلى يوم القيامة. وبذلك يظهر لنا بعض وجوه الحكمة من بقائه حياً في السماء لينزل قبل نهاية الدنيا، فإذا تزوج وكان له نسل، يبقى ويستمر بعد موته، يكون في ذلك كآدم، عليهما السلام. أما لماذا لا يُعتبر عيسى، عليه السلام، كباقي البشر، فيكون استمراراً لكينونة آدم، عليه السلام؟! فنقول:

جاء في الآية 171 من سورة النساء:"...إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه..."، فعيسى، عليه السلام، كلمةٌ جديدةُ ونَفخٌ جديد، ولم يكن استمراراً للكلمة الأولى التي أوجدت آدم، عليه السلام. فهناك الكلمة أولى ونفخٌ من روح الله، فكان آدم ومن سيتناسل منه إلى يوم القيامة. وهناك الكلمة ثانية ونفخ ثانٍ، فكان عيسى، ولا يزال يكون كما آدم، عليهما السلام.

 فإذا كان عيسى، عليه السلام، قد خُلق على خلاف قانون التناسل السائد بين البشر، وكان خلقه خلقاً خاصاً فيه تشريف، فإنّ آدم، عليه السلام، قد خلق أيضاً على خلاف قانون التناسل في عالم الحيوان، وخلق خلقاً خاصاً فيه تشريف. وعليه فينبغي أن تُترك مسألة التطور في خلق الكائنات للعلم ليبت في صحتها أو عدم صحتها، لأنّ آدم، عليه السلام، منقطع الصلة بما قبله، لأنه قد خلق خلقاً خاصاً فيه تشريف، وهو لم يأت بقانون الزوجية- تماماً كعيسى، عليهما السلام- وإنما كانت الزوجية قانوناً في نسله بعد أن خُلقت زوجه من نفسه.