لا ينبغي لأحد من بعدي

بقلم: بسام جرار

 

جاء في الآية 35 من سورة ص:" قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب". قد يستشكل هذا الطلب عند البعض؛ فلماذا يطلب هذا النبي الكريم مُلكاً يُحرم الناس من مثله إلى يوم القيامة؟! والأليق بمقام النبوة أن يطلب الخير للناس في زمنه ومن بعده. من هنا نرى أنّ ما طلبه هو أمر يعلم سليمان أنّ الله تعالى قضى أن لا يكون بعد زمنه عليه السلام.

عندما يولد الطفل يكون أشد ما يكون حاجة إلى رعاية الأهل، وكلما كبر قلّت حاجته إلى الرعاية والمساعدة والتلقين، حتى يبلغ رشده فيعتمد على نفسه. والإنسان في بداية نشأته يشبه الطفل في حاجته للتعليم والرعاية والدعم والمساعدة. وتبدأ قصة الإنسان بخلق آدم وزوجه وتعليمه الأسماء، كما نص القرآن الكريم. وتاريخ البشرية يشير إلى تواتر الوحي لتعليم الإنسان والأخذ بيده لإرشاده وتصويب مسيرته إلى أن بلغ رشده فختمت النبوات، فقد أصبح الإنسان قادراً على الاستمرار في خلافته في الأرض بإرشاد وهداية الرسالة الخاتمة.

 

لم تكن المساعدة مقتصرة على التعاليم الدينية، بل تعدتها إلى الأمور الحياتية، نظراً لحاجة الإنسان إلى هذه الدفعات التي تعينه وتسرع نضجه وتعرفه بواقعه، لأنّ هدايته عن طريق العقل في أصل خلقه أقوى من هدايته عن طريق الفطرة، على خلاف عالم الحيوان؛ فكيف يستطيع آدم، مثلاً أن يُميز بين الأسد والحصان، فيأخذ حذره من الأسد والنمر والأفعى.... ويأنس بالحصان والجمل..الخ. وإذا كان الأمر يحتاج إلى تجربة فإنّ الثمن عندها سيكون مكلفاً في بداية عمر هذا الخليفة المكرم. وكيف لآدم وحواء، عليهما السلام، أن يعلما ضرورة ربط الحبل السري بعد قطعه وحاجة طفلهما الأول لألوان الرعاية والعناية...فإذا كان ذلك يتم من خلال التجربة والخطأ فإن ذلك سيكون مكلفاً جداً.

عندما قتل أحد ابني آدم أخاه لم يدرك الحاجة إلى دفنه فما الذي حصل؟! انظر الآية 31 من سورة المائدة:" فبعث الله غُراباً يبحثُ في الأرض لِيُرِيَهُ كيف يواري سوأتَ أخيه...". وأوضح من ذلك مساعدة نوح، عليه السلام في بناء السفينة، انظر ما جاء في الآية 27 من سورة المؤمنين:" فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا...". وأوضح منه تعليم داود، عليه السلام، انظر الآية 80 من سورة الأنبياء:" وعلمناهُ صنعةَ لَبُوسٍ لكم لِتُحصِنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون". وانظر قوله تعالى في الآيات (10- 12) من سورة سبأ:" ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد، أن اعمل سابغاتٍ وقدِّر في السرد واعملوا صالحاً إنّي بما تعملونَ بصير، ولسليمانَ الريحَ غُدوُّها شهرٌ ورواحها شهرٌ وأسلنا له عَينَ القِطر ومن الجن من يعملُ بين يديه بإذن ربه..." وواضح في الآيات الكريمة أنّ الجن قد سخّرت أيضاً لمساعدة هذا الخلوق المكرم. بل إنّ الملائكة أيضاً كانت تقوم برعاية الإنسان ومساعدته؛ فقد رجح عندنا أنّ الملائكة هي التي ساعدت في بناء الكعبة، ومعلوم في الصحيح أنّ جبريل، عليه السلام، جاء في صورة رجل يعلم المسلمين أمور دينهم....

يعلم سليمان، عليه السلام، أنّ هناك أموراً ستُرفع ولن تكون في الأجيال القادمة، لأنّ الإنسان قارب أن يبلغ رشده فيستقل بأموره الحياتية، فدعا الله تعالى أن يهبه من الملك الذي لا ينبغي أي يبقى في الناس من بعده، فاستجاب له سبحانه وتعالى وسخر له الريح تجري بأمره، وسخر له شياطين الجن يعملون بين يديه وسُلط عليهم إلى درجة وضعهم في الأصفاد. وهذا يعني أنّ شياطين الجن لا تسخر لأحد من الناس بعد سليمان، عليه السلام، لأنّ تسخيرها كان من أجل الإنسان في مرحلةٍ من مراحل تطور الوعي البشري. وعلى الرغم من وضوح النص في الدلالة على عدم قدرة البشر على تسخير الشياطين بعد سليمان، فليس هناك ما يمنع من احتمال أن تكون الجن قد سخرت أيضاً قبل عهده عليه السلام.

وخلاصة الأمر أنّ سليمان، عليه السلام، لم يطلب لنفسه مُلكاً يُحرم منه البشر من بعده، وإنما طلب بعضاً من الملك الذي كان عطاءً مؤقتاً من أجل دفع الإنسان وترقيته قبل أي يُترك ليمضي بقدراته. وهو عليه السلام يطلب ذلك لينفع الناس، كيف لا، وهو الذي تخطى مرتبة حب الخير ليكون في مرتبة من يحب حب الخير:".. إنّي أحببت حب الخير..". ص:32