كما أنزلنا على المقتسمين

بقلم: بسام جرار

جاء في الآيات (90 – 93 من سورة الحجر:" كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرآنَ عِضِينَ. فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ".

يقول الماوردي في تفسيره: " قوله عز وجل: كما أنزلنا على المقتسمين، فيهم سبعة أقاويل. وإليك أخي القارئ الأقوال التي ذكرها الماوردي وتعليقنا عليها قولاً قولاً:

أحدها : أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى اقتسموا القرآن فجعلوه أعضاءً أي أجزاءً فآمنوا ببعض منها وكفروا ببعض، قاله ابن عباس.

التعليق: بل إنّ أهل الكتاب قد كفروا بالقرآن الكريم ولم يؤمنوا به. وإذا قلنا بهذا القول فما معنى قوله تعالى:" كما أنزلنا"؛ فإذا كان المقصود نزول الرسالة يصبح المعنى: إنا أنزلنا إليك كما أنزلنا على المقتسمين. وهو وجه ضعيف كما ترى. وإذا كان المقصود نزول العذاب فمتى كان ذلك؟!

الثاني: أنهم أهل الكتاب اقتسموا القرآن استهزاءً به، فقال بعضهم: هذه السورة لي، وهذه السورة لك، فسموا مقتسمين، قاله عكرمة.

التعليق: هل ثبتت مثل هذه الحادثة، وأين نجد دليل ذلك؟! ثم ما معنى قوله تعالى:" كما أنزلنا على المقتسمين"؟

الثالث: أنهم أهل الكتاب اقتسموا كتبهم، فآمن بعضهم ببعضها، وآمن آخرون منهم بما كفر به غيرهم وكفروا بما آمن به غيرهم، فسماهم الله تعالى مقتسمين، قاله مجاهد.

التعليق: هذا مقبول في تسميتهم مقتسمين، ولكن ما معنى قوله تعالى:" الذين جعلوا القرآن عضين".

الرابع: أنهم قوم صالح تقاسموا على قتله، فسموا مقتسمين، كما قال تعالى:" قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله" النمل:49  قاله ابن زيد.

التعليق: وهذا غير مقبول لأنّ قوم صالح لم يعاصروا نزول القرآن الكريم حتى يجعلوه أعضاءً وأجزاءً.

الخامس: أنهم قوم من كفار قريش اقتسموا طرق مكة ليتلقوا الواردين إليها من القبائل فينفروهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون، حتى لا يؤمنوا به، فأنزل الله تعالى عليهم عذاباً فأهلكهم، قاله الفراء.

التعليق: أين نجد مثل هذه الحادثة في كتب السيرة، والتي ينبغي أن تكون مشهورة؟! ونقصد هنا حادثة نزول العذاب.

السادس: أنهم قوم من كفار قريش قسموا كتاب الله، فجعلوا بعضه شعراً وبعضه كهانة وبعضه أساطير الأولين، قاله قتادة.

التعليق: فماذا حصل لمجموعهم، ومتى نزل بهم العذاب؟!

السابع : أنهم قوم أقسموا أيماناً تحالفوا عليها، قاله الأخفش.

وقيل إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج". انتهى كلام الماوردي.

والذي نرجحه هنا أنّ المقتسمين هم أهل الكتاب. والذين كان لهم موقف من كتبهم المنزلة وموقف آخر من القرآن الكريم:

أولاً: موقفهم من كتبهم: من يدرس تاريخ أهل الكتاب يلاحظ أنهم قد انقسموا إلى فرق كثيرة متنازعة ومتباغضة، كل فرقة تأخذ بقسم من الكتاب المُنزّل تضيف إليه أقساماً أُخِذت من أمم وأديان أخرى؛ فقد أخذوا من الوثنيّة الرومانيّة واليونانيّة والفرعونيّة، وأخذوا من الفلسفات والأديان الشرقيّة. ومن يرجع إلى ما يسمى بالعهد القديم، المقدس عند اليهود والنصارى، يجد اختلافاً شديداً حول الأسفار، بحيث تُفاجأ بنسخ مختلفة، ليس في الحروف والكلمات والفقرات فقط، بل في عدد الأسفار؛ فسفر أيوب مثلاً تقبله بعض الفرق وترفضه فرق أخرى.

ولو رجعت إلى الأناجيل، وهي عمدت ما يسمى بالعهد الجديد، لوجدت أنها كانت أكثر من مائة إنجيل حتى القرن الرابع الميلادي، عندما عُقد مجمع نيقية، فتم اختيار أربعة أناجيل. ولو رجعت إلى الأناجيل الأربعة لوجدت أنها تتفق وتختلف في سرد الوقائع حتى المِفصليّة منها.

ثانياً: موقفهم من القرآن الكريم: هم لم يقتسموا القرآن الكريم، ولكنهم تعاملوا معه على أساس أنه أعضاء متفرقة لا تكوّن جسماً – بناءً - واحداً متكاملاً. ومثل هذا الموقف يساعدهم في توظيف هذا الشتات في أغراضهم ومن أجل تحقيق أهدافهم من حرب الإسلام، باعتباره الخطر الجاد الذي يهدد عقائدهم وفلسفاتهم وكهنوتهم.

مثال على التعضِية:

 قرأنا في بعض كتب المبشرين بالنصرانيّة يستشهدون بالآية 116 من سورة المائدة على النحو الآتي:" وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ... مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ"، فمن يقرأ النص كما عُرض يظن أنّ الله تعالى قد أمر المسيح أن يقول للناس أنّه إله. وتُفاجأ بأنهم قد أخذوا أجزاءً من آيتين وحذفوا أجزاءً أخرى تفضح بهتانهم. ومن أجل الاحتياط لباطلهم قاموا بوضع ثلاث نقط ليقولوا في حالة التنبّه لإفكهم إنهم أشاروا لوجود محذوف. ولكنهم نسوا أنهم في معرض الاستدلال على ألوهيّة المسيح وبالتالي بات الحذف عن سابق إصرار وترصّد.

انظر إلى نص الآيتين الكريمتين لتدرك حقيقة شعورهم بدونية فكرتهم مما يدفعهم إلى الكذب والتزوير:

" وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ".

وعليه فما معنى:" كما أنزلنا على المقتسمين"؟! نقول: يذهب عامة أهل التفسير إلى أنّ لفظة ( كما) ترجع إلى ما سبق من كلام. والذي نراه أنها تستأنف كلاماً جديداً على النحو الآتي:" كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرآنَ عِضِينَ. فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ". فكما أنزل الله عليهم التوراة والإنجيل ليسألنّهم عن أعمالهم ومواقفهم من الدين الحق، وليسألنّهم عن الاقتسام وليسألنّهم عن التعضية. ومعلوم أنّ الله تعالى لا يؤاخذ حتى ينزل رسالة:" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً".