مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً

  بقلم: بسام جرار

جاء في الآية 17 من سورة البقرة:" مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون".

تكرر السؤال حول تفسير هذه الآية الكريمة، وكنا نلحظ أنّ السائلين يستشكلون المثال المضروب. ويرجع جزء من هذا الاستشكال إلى التوجه العام للمفسرين؛ حيث يرون أنّ المنافقين- في المثال المضروب- هم الذين يستوقدون النار. فَمثلُ المنافقين إذن: كمثل شخصٍ أوقد ناراً ليستضيء بها، فلما أضاءت النار ما حوله، ذهب الله بنوره فلم يعد بقادر على الإبصار. وهذا القول هو مدار أقوال عامة المفسرين. وهنا لنا على هذا التفسير الملاحظات الآتية:

أولاً: المنافق لا يطلب الحقيقة ولا يسعى لها ولا يبذل جهداً من أجلها. وكلمة (استوقد) توحي بهذا الطلب وهذا الجهد.

ثانياً: الذي استوقد هو فرد واحد بدليل (الذي، حوله)، والذين ذهب الله بنورهم هم جماعة، كما هو النص الكريم. ويقول البيضاوي:" والذي: بمعنى الذين، كما في قوله تعالى: وخضتم كالذي خاضوا". وهذا غريب، لأنّ المقصود: وخضتم كالخوض الذي خاضوه، أي خضتم كخوضهم.

والذي نراه أقرب لظاهر اللفظة القرآنية الآتي:

مثلهم: أي مثلهم في موقفهم من دعوة الرسول، عليه السلام. وبعبارة أخرى: مثلهم معك يامحمد. والمثل هنا يتعلق بطرفين: الطرف الأول هو الرسول، عليه السلام، والطرف الثاني هو أهل النفاق. وعليه يصبح المعنى: مثلهم في موقفهم منك ومن دعوتك يا محمد، كمثل رجل اجتهد في إيقاد نار، فلما أفلح في ذلك وأضاءت النار ما حوله...، فالرسول عليه السلام هو ذلك الرجل الذي اجتهد في إنارة ما حوله بنور الهدى، فلما أفلح في ذلك وأُنيرت مِن حَوله البلاد بنور الهدى، واستجاب له الناس من حوله، كانت المفاجأة أنْ ذهب الله بنور هؤلاء لنفاقهم وفساد طويتهم. نعم، ذهب الله بالنور الذي خلقه فيهم ليهديهم؛ من عقل وفطرة وفرقان يجده من لم يدنس بالمعاصي...الخ. فليس الإشكال إذن في نور الوحي، فقد أضاء وأنار، وإنما الإشكال في العمى الداخلي الذي نتج عن معاصيهم ونفاقهم.

وعليه نقول:

1.   النور: كل ما يهديك ويوصلك إلى حقائق الأشياء؛ فالوحي نور، والعلم نور، والفطرة السوية نور، والضوء نور...الخ

2.   كما لا يكفي وجود الضوء في الغرفة حتى نبصر، كذلك لا يكفي نور الوحي حتى يهتدي الإنسان، لأنه لا بد من القدرة الداخلية على الإبصار والاهتداء. فهناك إرسال وهناك استقبال. وصلاحية القدرة على الاستقبال لا بد منها.

3.   المعاصي تُذهب الأنوار الداخلية التي تجعل الإنسان مبصراً لحقائق الدين، والتي تختلف عن حقائق الدنيا؛ فالله ـ تعالى ـ غاية شريفة لا يصلها الإنسان حتى يسلك سلوكاً شريفاً سوياً.

4.   لا تعجب من الذين يملكون عقولاً ثم هم لا يدركون أبسط الحقائق الإيمانية. ولكن انظر إلى سلوكهم في الحياة، لتعلم أنّ الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. وهذه حقيقة دينية يمكن استقراؤها في حياة الناس. ألا ترى في واقع الناس أنّ أكثرهم التزاماً بمطالب الدين يكون أشدهم إيماناً وتصديقاً. وإذا كانت حقائق الفيزياء والكيمياء، وغيرها من العلوم الطبيعية، تحتاج إلى عقول فقط، فإنّ الحقائق الإيمانية تحتاج إلى عقول وقلوب. والقلوب تحتاج إلى سلوك سوي، والسلوك السوي يُفصّله الدين الحق.

5.   قد ننخدع أحياناً بالسلوك السوي الذي لا يُنتج إيماناً سوياً، لأننا لا نطّلع على سلوك القلوب، ولكنّ الله يطّلع. والكِبرُ من أخطر أمراض القلوب التي تصرف المتكبّر عن حقائق الإيمان. انظر الآية 146 من سورة الأعراف:" سأصرفُ عن آياتيَ الذين يتكبرونَ في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها...".