مثل نوره

بقلم: بسّام جرّار

جاء في الآية 35 من سورة النور:" الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء. ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم".

جاء في الآية 257 من سورة البقرة:" الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور"، وجاء في الآية 15 من سورة المائدة:" قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"، وجاء في الآية 32 من سورة التوبة:" يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم". وجاء في الآية 174 من سورة النساء:" وأنزلنا إليكم نوراً مبينا"، وجاء في الآية 40 من سورة المائدة:" ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور"، وجاء في الآية 28 من سورة الحديد:" ويجعل لكم نوراً تمشون به"، وجاء في الآية 18 من سورة آل عمران:" والكتاب المنير".

 فالوحي نور من الله وهو أيضاً نور الله؛ ومن يلتزم دين الله ويجاهد نفسه وشهواته يكون له نور يمشي به في الناس. والكُتب التي أنزلها الله على رسله هي نور، وهي أيضاً منيرة... والعلم نور... والفطرة السوية نور، والضوء كذلك نور...

عندما ينعكس الضوء على الأجسام الماديّة يكشف لنا جزءاً من حقيقتها، كالشكل واللون ... الخ، ومن هنا نقول إنّ الضوء نور، لأنّه يوصلنا إلى حقائق الأشياء.

فالنور: كل ما يوصلك إلى كُنه الأشياء وصفاتها وحقائقها. وما يقابل النور هي الظلمات. وعليه فالظلمات: ستر وحجب، وهي تحجب حقائق الأشياء. ومن هنا كانت الضلالة تلازم الظلمات، وكانت الهداية تلازم النور.

بما أنّ النور الإلهي غير مادّي وغير محسوس فكان تقريبه للعقل عن طريق المثال المادي المحسوس:

"مثل نوره كمشكاة": المشكاة هي الكوّة، وبلغة أخرى: طاقة في الجدار غير نافذة. وكانت في القديم تُجعل في جدار الغرفة ليوضع فيها السّراج. ولأنّ الكوة مغلقة من كل الجهات، إلا جهة واحدة، فقد كانت وظيفتها جمع شتات الضوء الصادر عن السراج ثم توجيهه بقوة داخل الغرفة. ثم هي أيضاً تحفظ السراج بداخلها. واليوم يمكن أن نُشبّه عاكس السيارة بالمشكاة، لأنّ مهمة هذا العاكس أن يجمع شتات ضوء مصباح السيارة ثم يوجهه فيضيء أمام السيارة بقوة هي أشد من إضاءة المصباح الحقيقية. وترجع هذه القوة في حقيقتها إلى جمع الشّتات والتوجيه إلى جهة الأمام.

"المصباح في زجاجة": عندما يكون المصباح في زجاجة تشتد الإضاءة، وهذا ملحوظ في واقع الناس. وعندما تكون الزجاجة نظيفة تكون الإضاءة أشد، وعندما تكون الزجاجة شفافة وصافية تصبح الإضاءة أشد وأشد. فكيف بك إذا كانت الزجاجة رائقة متلألئة كأنها كوكب؟!.

"الزجاجة كأنها كوكب دري": وعندما تكون الزجاجة شديدة الصفاء، وتكون في صفائها تشبه الكوكب المتلألئ الذي هو كالدر في صفائه وبهائه وإزهاره، تكون الإنارة أشد وأشد وأصفى وأبهى.

"يوقد من شجرة مباركة": والمصباح لا بد له من وقود. وللوقود دور أيضاً في شدة الإنارة وبهائها، فعندما يكون هذا الوقود صافياً يساعد أكثر في إنتاج إنارة بهيّة، وهذا معروف في الواقع.

"شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية": يقال بأنّ الزيتون الذي يتعرض طوال النهار لضوء الشمس يكون زيته أشد صفاءً وبهاءً. وعندما تكون الشجرة شرقية تتعرض لضوء الشمس في الصباح دون المساء، وعندما تكون غربية تتعرض لضوء الشمس مساءً دون الصباح. وحتى يمكن أن تتعرض للشمس طوال النهار لا بد أن تكون في موقعها لا شرقية ولا غربية. ولذلك صور أمثلها أن تكون في رأس جبل.

"شجرة مباركة زيتونة": فزيت الزيتون كان يستخدم على مدى القرون في إنارة المصابيح. وفرق بين زيتونة وزيتونة، وزيت وزيت، فهذا زيت: " يكاد زيتها يضيء"، فمن شدة صفائه وبهائه يكاد يُضيء بنفسه. وصفاء الزيت بالإضافة إلى لونه البهي يجعله ينير ويتلألأ لأدنى ضوء يمسه.

"شجرة مباركة زيتونة": والنبتة تكون شجرة عندما تنمو وتتفرع. وعندما يكون النمو والتفرع في الاتجاه السلبي تكون شجرة خبيثة، وعندما يكون النمو والتفرع في الاتجاه الإيجابي تكون الشجرة مباركة. ولم يشهد القرآن لشجرة بالبركة كالزيتونة التي يطول الكلام حول منفعتها للبيئة والبشر. وقد مثل القرآن الكريم للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، جاء في الآيتين 34 و 35 من سورة إبراهيم:" ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون".

"نور على نور": فهناك أكثر من عنصر في هذا المثال المادي المتكامل، وكلها عناصر تجعل المثال مثالياً في إعطاء صورة ذهنية للنور الرّباني مقابل السورة الحسّية للمثال؛ فهناك مصباح تحيط به زجاجة شفافة صافية بهية، وهناك وقود  صافٍ بهيّ متلألئ مستمد من شجرة تتوافر لها كل الشروط المطلوبة لعطاء فيّاض، فهي شجرة مباركة مبارك أصلها ومثالي موقعها. كل ذلك في مشكاة مهمتها جمع شتات النور وتوجيهه في الاتجاه المطلوب ليحقق الهدف.

هذا هو المثال المادي الذي يقرب لنا الصورة الذهنية لأمر غير مادّي. فلننظر ما يقابل كل عنصر من هذه العناصر المادّية في عالم المعنى:

أولاً: المصباح: يقابله العقل البشري. فالعقل نور، لأنه وسيلتنا لإدراك حقائق الأشياء، وقد خلقه الله تعالى لينير لنا.

ثانياً: الزجاجة: يقابلها النفس البشرية؛ فعندما تكون النفس مُدنسة بالمعاصي فإنها تنعكس سلباً على عطاء العقل، تماماً كما يحصل عندما تتراكم الأتربة والأوساخ على سطح زجاجة المصباح. وتربية النفس وتزكيتها تؤدي إلى صفائها وبهائها بحيث تزيد من نور العقل وقوة الإدراك، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بحقائق الكون الجوهرية، أي المتعلقة بأمور الدين والطريق على الله تعالى. فالله سبحانه غاية شريفة لا يصلها الإنسان إلا بوسائل شريفة على خلاف حقائق الكون المادّية.

ثالثاً: الشجرة المباركة التي لا هي شرقية ولا هي غربية: يقابلها الوحي. فالوحي لا ينسب إلى جهة أرضية، بل هو سماوي علوي، ثم هو عطاء إيجابي مبارك لا ينتهي عند حد. وإذا كان زيت الشجرة المباركة يكاد من صفائه وبهائه أن يضيء ولو لم تمسسه نار، فإّن الوحي ينير لك ويهديك حتى قبل أن تُعمل فيه العقل والفطرة. وعليه نقول:

 العقل مصباح ينير لنا ويوصلنا إلى إدراك الحقائق ولكنه يبقى قاصراً عن تحقيق المطلوبات، فلا بد من تزكية النفس أيضاً ليتكامل نور العقل والنفس.

لقد اهتم الفلاسفة بالعقل وأهملوا تزكية النفس فبقيت الفلسفة قاصرة عن هداية الإنسان إلى جوهر الحقائق. واهتم بعض أهل التصوف بتزكية النفس وتقاصروا عن الاهتمام بالعقل. وعليه فالنهجان قاصران عن تحقيق التربية المثلى، فلا بد من التربية المتكاملة للعقل والنفس معاً. وحتى هذا لا يكفي، بل لا بد أن يستمد العقل من الوحي، ولا بد أن تكون تزكية النفس على أساس من الوحي أيضاً.

فالفلسفة بعيداً عن هدى الوحي ضلال ومتاهات، والتصوف بعيداً عن المنهج المستمد من الوحي ضلالات وهيام على غير هدى.

إذن: لا بد من الاهتمام بالعقل والنفس معاً، ويجب أن يكون الاستمداد من الوحي، أي من تلك الشجرة المباركة التي لا تنتمي إلى أي اتجاه أرضي، والتي تعطي وتُمد بلا انقطاع، بل وتهدي كل من يستند إليها ويستمد منها ولو لم يكن من أهل الاستدلال والنظر.

وعلى الرغم من كل ذلك لا تكتمل الصورة ولا تجتمع كل الأنوار، حتى يتوافر العنصر الرابع:

رابعاً: المشكاة: يقابلها المسجد الذي يجمع أهل الإيمان والعمل والذين هم أهل الأنوار، فيقوم بجمع شتاتهم ثم يوجههم لينعكس كل ذلك خارج المسجد، أي في صعيد المجتمع، وبهذا تكون الصورة قد اكتملت:

تربية عقلية، تربية وتزكية للنفوس، استمداد من الوحي، ثم جمع وتوجيه يقوم به المسجد لينعكس في المجتمع، وبذلك تتكامل أنوار الهداية.

الدليل على كل ذلك:

أولاً: لُخِص المثل في الآية 35 من السورة:" مَثَلُ نوره كمشكاة فيها مصباح ... لاحظ مشكاة فيها ... وعندما ينتهي الكلام عن العناصر المادية للمثل نُفاجأ بأنّ الآيات التي تلي تبدأ بقوله تعالى:" في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكرُ فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال...". لاحظ:" كمشكاة فيها مصباح ... في بيوت ... فيها ... رجال". وغني عن البيان أنّ دور المرأة في المسجد دون دور الرجل، ودور الرجل في البيت دون دور المرأة.

ثانياً: يختم المثل في الآية 35 من السورة:" نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم". فالكلام إذن عن هداية الله تعالى لمن يشاء من خلقه.

ثالثاً: بعد الانتهاء من هذا المثل المتعلق بأهل الإيمان نجد أنّ الآيات التي تلي تضرب مثلين لأعمال أهل الكفر وينتهي المثال الثاني بالتعقيب الآتي:" ... ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور".

رابعاً: سميت السورة سورة النور، ما يعني أنّ هذه المسألة هي المسالة المركزية في السورة. والملاحظ أنّ سورة النور تركز على المسائل الأسرية والاجتماعية وعلاقة الرجل بالمرأة. وهي مسائل لا يسهل على العقل البشري أن يستقل بمعرفتها، وهي من أهم أسس صلاح المجتمعات البشرية. والمتدبر للسورة الكريمة يدرك أنّ تحقق العلم والعمل بما جاء في السورة يضمن لنا الأساس لهدايةٍ حقيقية للفرد والمجتمع.

 انظر إلى المجتمعات الغربية لتعلم أنّ كل التقدم العلمي في المجالات المختلفة لم يغن عنهم شيئا، لأنّ العقل وحده لا يكفي. لذا فهم يفقدون البوصلة، فلا يعلمون هدفاً للحياة ولا معنى لها. ونجدهم يقعون كل يوم في متاهة لا مخرج منها إلى درجة أنّ مرحلة العبثية، عند بعض فلاسفتهم، هي المرحلة التي تأتي بعد مرحلة الحداثة... ولن يكون خلاص حتى تتكامل عناصر الهداية التي لخّصها المثال في الآية 35 من سورة النور.