كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين

الحلقة الأولى

بقلم: بسام جرار

الإنسان كائن مُكرّم، أُسجدت له الملائكة، وسُخّرت له السماوات والأرض، وخُلق خلقاً خاصاً مُنبتّاً عما سبقه من مخلوقات. ويميل المسلمون والنصارى واليهود إلى الاعتقاد بأنّ آدم عليه السلام قد خُلق مباشرة من التراب. من هنا نجدهم يرفضون بشدة كل المزاعم التي تقول باحتمال أن يكون للإنسان علاقة خلْقيّة بكائنات دنيا. أما اليهود والنصارى فيحملهم على مثل هذا الموقف ما ورد في كتبهم المقدسة عندهم من نصوص تُصرّح بالخلق المباشر من التراب. يُضاف إلى ذلك ما جاء به ملاحدتهم من مزاعم فلسفيّة تقول باحتمال أن يكون القول بالتطور كافياً لتفسير الإبداع في الخلق. والصحيح أنّ القول بإمكانيّة أن يُفسّر التطور ما عليه الكون والكائنات من إبداع هو قول طفولي لم يعد مقنعاً للغالبية العظمى من البشر.

 والقول بالتطور شيء، والزعم بأنّ التطور يكفي لتفسير الإبداع في الخلق شيء آخر. ولتوضيح ذلك نضرب مثلاً بخلق الإنسان وتطوره في بطن أمه طوراً بعد طور حتى يكتمل خلقه. مثل هذا التطوّر لا يمكن أن يكون من غير خطّة وبَرمجة سابقة موجودة في الحيوان المنوي والبويضة. ومثل هذه الخطة البديعة يستحيل على العقل السوي أن يقبل باحتمال حصولها صدفة، بل لا بد أن يكون ذلك كله عن قدرةِ عالمٍ مريدٍ. وما يقال في الإنسان يقال في البذرة التي تشتمل على الخطّة والبرمجة السابقة، لتتحول  هذه البذرة عند توفر الشروط إلى نبتة فشجرة فثمر...

وحتى يصح في العقل القول بإمكانية حصول التطوّر لا بد أن نقول بوجود الخطّة والبرمجة السابقة، أي لا بد من وجود العليم المريد القادر، لأنّ أي نظام يقتضي حتماً وجود هذه الصفات الثلاثة. فوصفنا لمراحل تطوّر القصر البديع، مثلاً، لا يعني عدم وجود خطة وإشراف من قِبل عالمٍ مريدٍ قادر. أمّا القول بالصُّدفة فهو زعم بإمكانية أن يكون الإبداع صادراً عن القدرة فقط، وهذا يتناقض مع بدهيات العقول. فمن منا يستطيع أن يتصوّر قصيدة من الشعر تتألف من مائة بيت، مثلاً، يمكن أن تصدر عن قدرة الريح التي تَخُطّ ذلك في الرمل؟! كل العقلاء يقولون: لا بد من قدرة تَخُطّ في الرمل، ولا بد من إرادة لفعل ذلك، ولا بدّ من علمٍ بما يُخَطُّ، وهذا بدهي. أما لماذا يوجد من الناس من يفرّ إلى القول بالصُّدفة – أي القدرة العارية عن العلم والإرادة – فليس هذا مقام الخوض في بيانه.

 في أيام الشباب، وعندما كنا نناقش الملاحدة ونذهب معهم إلى درجة مناقشة البدهيّات رغبة منا في هداهم، حصل أن سألنا بعضهم: ما دليلكم على حصول التطوّر في الكائنات؟! فكان الجواب: اكتشف العلماء مُستحثات لكائنات حيّة دنيا في الطبقات الدنيا من التربة، ووجدوا أنهم كلما صعدوا في طبقات التربة وجدوا هذه الكائنات بالإضافة إلى كائنات أكثر تطوراً... وهكذا حتى وجدوا الثدييات العليا- ومنها الإنسان- في الطبقات العليا من التربة. فكنا نقول لهم أين وجدوا ذلك؟ فكانوا يقولون في البلد الفلاني في إفريفيا. فكنا نقول لهم: هذه صدفة. فيقولون: ووجدوا ذلك في البلد الفلاني في أوروبا. فكنا نقول لهم: وهذه صدفة. فكانوا يقولون: ووجدوا مثل ذلك في آسيا ... فنقول وهذه صدفة. فكان الأمر ينتهي بهم مستغربين يقولون: كيف تقولون صدفة، هل يعقل أن يكون كل ذلك صدفة؟!! فكنا نقول لهم: أرأيتم كيف أنه ليس بإمكانكم أن تثبتوا حصول التطوّر إلا إذا آمنتم باستحالة الصدفة. نعم لا يمكن للعلم أن يسير خطوة واحدة إلى الأمام، ولا يمكن للعلماء أن يثبتوا شيئاً إلا إذا كان منطلقهم القول باستحالة الصدفة. أي أنّ القدرة وحدها لا تكفي لتفسير الإبداع القائم في الكون، بل لا بد من العلم والإرادة حتماً.

يُسارع المسلمون إلى تقليد موقف النصارى واليهود من نظريّة التطور، ويُسارع العلمانيّون والملاحدة إلى الأخذ بالنظريّة. وكلُّ طرف ينطلق من منطلق فلسفي؛ فأكثر الذين يرفضون النّظريّة ينطلقون من تصورات فلسفيّة سابقة، ولا يقدّمون منهجيّة سويّة في الرفض، ولا ينطلقون من وعي حقيقي بالمسألة. وأكثر الذين يقبلون النظريّة ينتصرون لها بدوافع فلسفيّة بعيداً عن المنهج السوي في الاستدلال. ومن الصعب أن يكون الإنسان موضوعياً في عالم الفرضيّات والنظريّات التي تمس الجوانب الفلسفيّة. أما عالم الحقائق فيفرض نفسه على الجميع.

واليوم، وبعد تراجع المدارس المادّية، وانحسار موجة الإلحاد - والتي كانت عارضاً من العوارض وشذوذاً وانحرافاً عن الفطرة السويّة – يمكن أن يُعاد فتح هذا الملف، من أجل وعي حقيقي ومنهجيّة سوية، إخلاصاً  للحقيقة بعيداً عن التحيّز الفلسفي  المنافي للحق. ونبدأ بالفصل بين الإنسان وباقي الكائنات، ونسأل الذين يرفضون نظرية التطور ويجزمون ببطلانها – وعلى وجه الخصوص المسلمون منهم- لماذا ترفضون النظرية؟! فإن قالوا لم تقنعنا الأدلّة العلميّة والفلسفيّة التي قُدّمت من قِبل المثبتن للنظرية، نقول: فالقضيّة إذن باتت علميّة، يمكن أن تُدحض بالأدلة العلمية والفلسفيّة ويمكن أن تؤيّد، وبالتالي لا نقبل النظريّة ولا نرفضها.

أما إذا قالوا نرفضها على أساس ديني، نقول: أين نجد نصاً في القرآن أو السنة يُصَرّح بكيفيّة خلق الكائنات الحيّة – غير الإنسان -، وأين القول بعدم تطور هذه الكائنات، أم أنّ الأمر مجرد ردة فعل على المنهجيّة غير السويّة للملاحدة والماديين؟! في المقابل نسأل الماديين: أين الدليل على أنّ الإنسان هو نتاج عملية تطور؟! وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن يَصدر ذلك عشوائيّاً من غير خطة وبرمجة سابقة، فيصدر عن قدرة عارية عن العلم والإرادة؟! أليس ذلك مخالفاً للبدهيات التي يستند إليها العلم في التدليل والإثبات؟! أم أنّ ذلك مجرد ردة فعل على موقف بعض الأديان والفلسفات المناقضة؟!