كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين

الحلقة الثانية

بقلم: بسام جرار

 

لم يرد في نصوص القرآن والسنة ما يُصرّح بتفاصيل خلق الكائنات الحيّة. أما بالنسبة للإنسان فهناك نصوص قرآنيّة تعطينا فكرة عن خلق هذا الكائن المُكرّم، ولكنها نصوص لم تحظ بنظرات عميقة تتناسب مع جلالها وعمقها. ونحن هنا نحاول أن ندفع أهل التّدبر للتوقّف عند هذه النصوص والتحرر من الأفكار المسبقة التي لا أساس لها.

عندما تتوفر شروط الإنبات للبذرة تتحول إلى نبتة غضّة خضراء، ثم تتحول إلى شجرة باسقة. وقد يُقتلع جذع الشجرة فيتحوّل إلى حَطب. وقد يُعالج الحطب فيصبح خشباً يُصنع منه كرسي. وهنا نسأل: هل يصح أن نقول إنّ الكرسي هو شجرة أو هو نبتة أو هو بذرة؟! بالطبع لا يصح ذلك، لأنّ للبذرة أوصافاً وخصائص تجتمع في البذرة فتميّزها عن كل الأشياء. أما الكرسي فأوصاف وسمات وخصائص تختلف تماماً عن البذرة وعن النبتة وعن الشجرة... وإنْ كان أصل الكرسي شجرة، وأصل الشجرة نبتة، وأصل النبتة بذرة.

إذا أدركنا هذا نقول:

عندما يقول سبحانه وتعالى في سورة التين، مثلاً:" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"، فإنّما يتحدث سبحانه عن الإنسان بعد أن خُلق إنساناً تتوافر فيه الأوصاف والسمات والخصائص التي تميّزهُ عن باقي الكائنات. أما ما قبل هذا التكامل والاكتمال والتميّز فلا يصح أن يُسمى إنساناً. ونقول هنا مثل هذا الكلام من أجل لفت الانتباه إلى أهميّة استخدام المنهجيّة السويّة في التفكير والاستنباط عند دراسة النصوص القرآنيّة.

 جاء في الآية 59 من سورة آل عمران:" إنّ مثل عيسى عند اللهِ كمثلِ آدم خلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون". ويلفت الانتباه هنا الأمور الآتية:

أولاً: تمّ خلق آدم أولاً ثمّ قيل له كن إنساناً كاملاً. ومعلوم أنّ ثمّ للترتيب والتراخي.

ثانياً: إذا كان التماثل في خلق آدم وعيسى، عليهما السلام، كاملاً فإنّ هذا يعني أنّ بداية خلق آدم، عليه السلام، كانت من تراب ثم انتهت بأن خُلق خلقاً خاصاً على خلاف القانون المعهود في المخلوقات قبله، كما هو الأمر في عيسى عليه السلام، الذي بدأ خلقه بخلق آدم من تراب، ثم كان التناسل وفق قانون الزوجيّة حتى كانت مريم، عليها السلام، ثم خُلق عيسى، عليه السلام، خلقاً خاصّاً، على خلاف قانون الزوجيّة. وعليه يكون المعنى إنّ مثل آدم كمثل عيسى، عليهما السلام.

ثالثاً: إذا قيل إنّ التماثل هنا في بعض وجوه الخلق وليس في الكل، نقول: إنّ مقصدنا هنا أن نضع القارئ في صورة احتمالات النصوص، وليس غرضنا إثبات مسألة بعينها. هدفنا- فحسب- أن نوسّع في أفق المسلم وأن نحضّه على المنهجيّة السويّة في التفكير والاستدلال، وعلى احترام النص الكريم.

جاء في فواتح سورة السجدة:" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ...".

وهنا نلاحظ الآتي:

أولاً: الطين كان بداية الخلق، ثم كان التناسل وفق قانون الزوجيّة.

ثانيا: معلوم أنّ حرف ثم يشير إلى الترتيب والتراخي في الزمن. وهذا يعني أنّ التسلسل عبر التزاوج قد سبق عملية التسوية والنفخ من روح الله. أي سبق وجود آدم عليه السلام.

ثالثاً: الآية 29 من سورة الحجر، وكذلك الآية 72 من سورة ص، تنص على أنّ التسوية والنفخ كان لآدم عليه السلام:" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ". ومن هنا لا يصح القول إنّ الآيات من سورة السجدة تتعلق بخلق الجنين لكل فرد من الناس. كما لا يصح القول بأنّ في الآيات تقديماً وتأخيراً، ليوافق ذلك أفكارنا المسبقة.

رابعاً: لا يتوهم القارئ أن قولنا هذا يوافق أو يخالف نظرية التطور، لأنّ التصور النهائي للمسألة لم يتبلور بعد. ونحن هنا في معرض استعراض النصوص بعيداً عن الأفكار المسبقة.

جاء في الآية 11 من سورة الأعراف:" وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآَدَمَ...". وهنا لنا الملاحظات الآتية:

أولاً: تم خلق آدم، عليه السلام، ثمّ تمّ تصويره بالصورة الإنسانيّة.

ثانياً: كغيرها من الآيات الكريمة التي استعرضناها هنا تمّ استخدام الحرف ثم الدال على الترتيب مع التراخي في الزمن.

ثالثاً: نصّت الآية الكريمة على أنّ خلق آدم هو خلق لباقي البشر، وهذا مفهوم لأننا نسل آدم، أي صورة مكررة عنه ومنه. من هنا نفهم بشكل أفضل استخدام الفعل المضارع (فيكون) الدال على الاستمراريّة في قوله تعالى:" إنّ مثل عيسى عند اللهِ كمثلِ آدم خلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون".

جاء في الآية 17 من سورة نوح:" وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا ". وهذا مشعر باحتمال أن يكون النبات مرحلة من مراحل التسلسل الخلقي قبل خلق آدم عليه السلام.