كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين

الحلقة الثالثة

بقلم: بسام جرار

 جاء في الآية 133 من سورة الأنعام:" وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ".

يقول الرازي في تفسير هذه الآية:

" مَا يَشَاء": فالمراد منه خلق ثالث ورابع. واختلفوا فقال بعضهم: خلقاً آخر من أمثال الجن والإنس يكونون أطوع، وقال أبو مسلم: بل المراد أنه قادر على أن يخلق خلقاً ثالثاً مخالفاً للجن والإنس. قال القاضي: وهذا الوجه أقرب، لأنّ القوم يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى حمل على خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة، فكأنّه تعالى نبّه على أنّ قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة...".

تعليق:

إذا كان الاستخلاف سيكون لخلق آخر هم من أمثال الجن والإنس، أو على غير أمثالهم، فإنّ ذلك يعنى أنّ البشر قد أنشئوا من آخرين هم من أمثال الإنس والجن، أو على غير أمثالهم، لأنّ الله تعالى يقول:" كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِين".

إلا أنّ الرازي يقول:

 " كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ "، لأنّ المرء العاقل إذا تفكر علم أنّه تعالى خلق الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير، فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة. وإذا كان الأمر كذلك فكما قدر تعالى على تصوير هذه الأجسام بهذه الصورة الخاصة، فكذلك يقدر على تصويرهم بصورة مخالفة لها".

تعليق:

كلام الرازي - كما يلاحظ القارئ الكريم – غير مقنع لأنّ آباءنا لا يوصفون بأنّهم قوم آخرين. ولو كان قول الرازي، رحمه الله، صحيحاً لكان الأبلغ أن يقال: كما أنشأكم ذريةً لآبائكم وأجدادكم. أو: كما انشأكم من أبائكم وأجدادكم، أو كما أنشأكم ذرية من آبائكم وأجدادكم...

ويقول البقاعي في نظم الدرر:

" من بعدكم": أي بعد هلاككم " ما يشاء "، أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم كما أبدع أباكم آدم من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه " كما أنشأكم من ذرية " أي نسل " قوم آخرين"، أي بعد أن أهلكهم أجمعين، وهم أهل السفينة وقد كنتم نطفاً في أصلابهم، لم يكن في واحدة منها حياة".

تعليق:

إذا كان الخليفة من غير جنسنا فإنّ ذلك يقتضي أن نكون قد أُنشِئنا من جنس غير جنسنا، وفق نص الآية الكريمة. إلا أنّ البقاعي وغيره لا يمكنهم أن يتصوّروا ذلك في عصرهم، ومن هنا نجدهم ينتهون إلى مخارج لا تُخرج من الإشكال.

ويقول الخازن:

" وقال الطبري في قوله " كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين"، يقول كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم، ومعنى مِن في هذا الموضع التعقيب، كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوباً، يعني مكان الدينار ثوباً، لا أنّ الثوب من الدينار بعض. كذلك الذين خوطبوا بقوله " كما أنشأكم " لم يُرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ولكن معنى ذلك ما ذكرنا أنهم أنشئوا مكان قوم آخرين قد أهلكوا قبلهم.

تعليق:

يقر الطبري رحمه الله أنّ الله تعالى قد أنشأنا من قوم آخرين غير الإنس، ولكنه يفهم مِن بمعنى بعد أو بمعنى مكان، أي أنّ الأمر كان من قبيل الاستبدال.

ولنرجع إلى تفسير الطبري فننظر قوله:

" يُذهبكم": يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم ويستخلف من بعدكم ما يشاء،.. ويأت بخلق غيركم وأمم سواكم، يخلفونكم في الأرض "من بعدكم"، يعني: من بعد فنائكم وهلاككم، " كما أنشأكم من ذريَّة قوم آخرين "، كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلَكم.

ومعنى"مِنْ" في هذا الموضع التعقيب، كما يقال في الكلام:"أعطيتك من دينارك ثوبًا"، بمعنى: مكانَ الدينار ثوبًا، لا أنّ الثوب من الدينار بعضٌ، كذلك الذين خوطبوا بقوله: " كما أنشأكم"، لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنّهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنَّهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم ... وأصل الإنشاء الإحداث" انتهى كلام الطبري.

تعليق:

ما كان إمام المفسرين الطبري ليذهب إلى القول بأنّ (من) هنا بمعنى (مكان) إلا لأنّه لم يتصوّر احتمال أن يكون الإنسان قد أُخذ من ذرية قوم آخرين يختلفون عنّا كبشر. لاحظ قوله:" لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنّهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين"، فهو رحمه الله يعلم أنّ هذا الفهم يحتمله النص فأراد أن ينفيه لعلمه أنه المعنى الظاهر من النص الكريم.