كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين

الحلقة الرابعة -الأخيرة

بقلم: بسام جرار

جاء في الآية 59 من سورة آل عمران:" إنّ مثل عيسى عند اللهِ كمثلِ آدم خَلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون"، لهذه الآية الكريمة أهميّة خاصة بما يتعلق بأصل خلق الإنسان؛ فهي تنص على أنّ آدم، عليه السلام، قد خلق خلقاً خاصاً بعيداً عن قانون الزوجيّة السائد في الكائنات الحيّة، وكذلك كان الأمر في خلق عيسى، عليه السلام. بل ربما كان من بعض حكمة خلق عيسى عليه السلام من غير أبٍ أنْ يعلم الناس أنّ الله تعالى قد خلق آدم على خلاف القانون السائد في الكائنات. ومن هنا جاءت هذه الآية الكريمة لتحسم القول في الجدل القائم بين الناس حول أصل الإنسان؛ فإذا كان قانون التطور قد جرى في خلق بعض الكائنات الحيّة أو كلها، فإنّ آدم عليه السلام قد جاء استثناءً من هذا القانون، ثم كان تناسل البشر وفق قانون الزوجيّة بعد خلق حواء من نفس آدم، عليه السلام، كما ينص ظاهر الآية الأولى من سورة النساء:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً...لاحظ قوله تعالى:".. من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها..". واستثناء آدم عليه السلام من قانون الزوجيّة يجعله خلقاً جديداً لا صلة له بغيره من الكائنات، ويجعله اشتثناءً من قانون التطور، هذا على فرض أننا نُسلِّم بوجود هذا القانون في الكائنات الحيّة.

وهنا نثير سؤالاً: أيّ الصورتين الآتيتين أكرم للإنسان؟:

الصورة الأولى: أن يُخلق الإنسان من التراب مباشرة من غير أن يتسلسل خلقه صعوداً حتى ينتهي الأمر بخلق آدم.

الصورة الثانية: أن يبدأ الخلق بالتراب ثم يتسلسل هذا الخلق صعوداً وارتقاءً، وفق العناية والبرمجة الربانيّة، حتى إذا بلغ الخلق مرحلة تتلاءم مع أهميّة هذا الكائن وكرامته يتمّ خلقه وأخذه أخذاً خاصاً منبتاً عما سبقه.

قد يختلف الناس في الإجابة عن هذا السؤال، ولكننا نرى أنّ الصورة الثانية تتلاءم أكثر مع جلالة ومكانة هذا الكائن المُكرّم، الذي أُسجِدت له الملائكة. كيف لا، وموكب مهيب من تسلسلات هائلة تستمر ملايين السنين تكون المقدّمة التي تُعلن عن قدوم المنتظر، الذي سيكون له شأنٌ عظيم، وتُسخر له السماوات والأرض وما فيهن، ثمّ تُبدّل الأرض غير الأرض والسماوات عند قيامةِ هذا الإنسان، ليخلد في عالم لا يعلم جلاله وعظمته إلا الله تعالى.

يتحدث العلماء عن اكتشاف هياكل لكائن يشبه في تكوينه الإنسان، ولكنّ محيط جمجمته أقل من محيط جمجمة الإنسان، مما يعني أنّ قدراته العقليّة أقل من قدرات الإنسان. بل ذهب بعضهم إلى القول باكتشاف بعض الآثار التي تدل على تميّز هذا الكائن على باقي الحيوانات. وإذا صحّت هذه المعلومة السائدة في المحافل العلميّة فإنّ ذلك يجعلهم أمام معضلة تحتاج إلى إجابة مقنعة، وهي: إذا كان هذا الكائن على هذا المستوى من البنيان الجسمي والقدرات العقليّة، فلماذا انقرض ولم يبق منه أحد، في الوقت الذي بقيت مليارات الكائنات الأقل تطوراً؟!

إذا كانت هذه معضلة تواجه العلم فإنّ حلها موجود في ما تحتمله الآيات القرآنيّة التي استعرضناها؛ فقوله تعالى:"...إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ"، يشير بوضوح إلى فناء القوم الذين يُحتمل أن يكون الإنسان قد أُنشئ من ذريتهم. وإذا كان هذا الكائن العاقل، الذي وصل إلى درجة أن يكون بمجموع أفراده قوماً، متواضع القدرات العقليّة بالنسبة إلى الإنسان، فمن المتوقع أن يكون سفّاكاً للدماء، لضعف ضوابطه العقليّة التي تمنعه من التمادي عند الغضب. وقد يفسر هذا قولَ الملائكة في الآية 30 من سورة البقرة:" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء..."، ويعزز هذا الاحتمال ما كان من مبارزة عقليّة بين الإنسان والملائكة، ليكون تفوق آدم هو الرد على استشكال الملائكة، عليهم السلام. ثم انظر قوله تعالى:" إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِف "، فالكلام إذن عن قضيّة الاستخلاف.

 وأخيراً لم نقصد إلى القول بنظريّة التطور، بل قصدنا أن نقول إنّ مسألة التطور هي مسألة علميّة وليست بمسألة دينيّة، كما توحي به ردود فعل العديدين من المسلمين. وقَصَدنا أن نقول إنّ خلق آدم لا علاقة له بالتطور، وإن كان هناك احتمال أن يكون خَلْق الإنسان له علاقة بأرقى حلقات التطور من غير أن يكونَ آخر هذه الحلقات، لأنه خُلِق خلقاً جديداً مستقلاً. من هنا نجد أنّ نظام الزوجيّة في البشر قد ابتدأ بآدم وحواء التي خُلِقت من نفسه. وهذا الخلق الخاص قد يفسر ما يُقال من أنّ هناك حلقة مفقودة بين الإنسان وباقي الحيوانات. وإن كنّا نعتقد أنْ لا حلقة هناك مفقودة، بل هناك خلق جديد لا يرتبط بمن سبق من الكائنات إلا كما ترتبط هذه الكائنات بالتراب.