القرآن الكريم وشبهة الأخذ عن الكتب السابقة!!

 بقلم: بسام جرار

جاءنا سؤال من أخت كريمة يتعلق بما ورد في القرآن الكريم من قَصص يُشابه قصص التوراة، مما يجعل أهل الكتاب يُثيرون شبهة الأخذ عنهم. فما القول في ذلك؟!

الجواب: يمكن تلخيص الإجابة عن هذه الشبهة بالآتي:

 أولاً: ينص القرآن الكريم على أنّ الله تعالى قد أنزل التوراة والإنجيل. ولكنه ينص أيضاً على أنّ أهل الكتاب قد حرّفوا وبدّلوا. والتحريف والتبديل لا يعني أنهم قد غيّروا تغييراً كاملاً، وإلا لكانوا أصحاب دين آخر لا علاقة له باليهوديّة أو النصرانيّة. ولا يُعقل أن يتواطأ أهل دين على تبديلٍ كاملٍ لدينهم، ولكن هناك أكثر من سبب يؤدي إلى دخول التحريف.

ثانياً: أثبتت دراسات أهل الكتاب أنفسهم على أنّ كتبهم قد دخلها التحريف والتبديل، بل إنّ الكتب المقدسة لديهم تشهد بذلك؛ إما من خلال التناقض القائم بين النصوص، وإما من خلال شهادة هذه الكتب على وجود التحريف. ومن أمثلة التناقض ما جاء في إنجيل متى وإنجيل لوقا حول شجرة نسب المسيح عليه السلام. ومن أمثلة الشهادة على حصول التحريف ما ورد في كتب العهد القديم عن عصر الملك يوشيا، والذي اشتهر بإصلاحاته الدينية بعد اكتشاف سفر التثنية، السفر الخامس من أسفار التوراة. وعندما نعلم أنّ يوشيا هذا قد قام بإصلاحاته في العام 621 ق.م، وعندما نعلم أنّ زمن موسى عليه السلام كان قبل ذلك بستة قرون، ندرك أنهم يُقرّون بضياع بعض أسفار التوراة قبل السبي البابلي، فكيف بالأمر بعد السبي.

ثالثاً: جاءت التوراة، وكذلك الإنجبل، لبني إسرائيل في عصور معينة، وبالتالي لا داعي لحفظ هذه الكتب بعد انقضاء زمانها. أما القرآن الكريم فقد جاء للبشريّة جمعاء وإلى يوم القيامة، ومن هنا كان حفظه أمراً مُحتّماً.

رابعاً: نظراً لكون التوراة مقدسة عند اليهود والنصارى، ونظراً لكون اليهوديّة والنصرانيّة هما التحدي الحقيقي للحقيقة الإسلاميّة، ونظراً لحصول التحريف المؤدّي للانحراف، فقد كان من المتوقع أن يأتي القرآن الكريم ليناقش هذه الانحرافات، وليصحح هذه العقائد، وليعيد الأمور إلى نصابها وليردها إلى حقيقتها. ومن هنا نلاحظ أنّ القرآن الكريم لم يتعرض إلى الأديان الأخرى كما تعرض لليهوديّة والنصرانيّة. وقد يكون من بعض أسرار ذلك كون هذه الأديان لا تزعم أنها ربانيّة المصدر ولا تشكّل تحدياً جدّياً للفكرة الإسلاميّة. وهذا ما نلاحظه فعلاً على أرض الواقع منذ نزل الإسلام إلى يومنا هذا.

خامساً: لا يعقل أن يُقر الإسلام بكون اليهوديّة والنصرانيّة ربانيّة المصدر ثم لا نجده يتفق معها في قاسم مشترك كبير. وفي المقابل لا يُعقل أن يُصرّح بتحريفها ثم لا نجده يختلف معها.

سادساً: إذا كان يوسف عليه السلام – على سبيل المثال – قد وجد في التاريخ، وجاءت التوراة لتقص علينا قصته. وإذا كانت هذه القصة تُشوّه شخصية هذا النبي الكريم، وإذا كانت هذه الصورة المشوهة عن هذا النبي الكريم لا تزال تلهم الملايين من اليهود والنصارى، ألا يصبح من الحكمة والرحمة بالناس أن يُصحّح مثل هذا الخطأ الفادح، وأن تُرد الأمور إلى نصابها، ليعلم الناس حقيقة ما قام به هذا النبي الكريم، فتصبح قصته ملهمة للخير والخلق الكريم. بل إنّ مثل هذا المنهج هو أشد فعاليّة وتأثيراً، ليس على المسلمين فحسب بل على أهل الكتاب أيضاً. وهذا ما يثبت في التجربة المستمرة.

وحتى تكتمل الصورة لدى القارئ الكريم سنقوم باستعراض سريع لبعض نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف في قصة يوسف في التوراة والقرآن  الكريم:

1. هناك اتفاق في هيكل القصة واختلاف في التفاصيل. ووجود القصة في التوراة وفي القرآن يُعين على التمييز بين الكتابين فيسهل إصدار الحكم من خلال المقارنة. فالقصة حقيقيّة حصلت في الواقع. ومن هنا فمن البدهي أن يكون هناك اتفاق حول هيكل القصة. أما الاختلاف في التفاصيل فمُتوقّع لدخول التحريف عبر العصور، وما آفة الأخبار إلا رواتها.

2. من يقرأ قصة يوسف في التوراة يُفاجأ بأنّ يوسف – حاشاه – قد استغل سنوات القحط ليأخذ من المصريين أموالهم وأراضيهم لصالح الفرعون، ثم يستغل جوعهم ليستعبدهم للفرعون. فأي قيمة دينيّة وأخلاقيّة تستفاد من مثل هذه القصة المُشَوِّهة لصورة نبي كريم. أما القصة في القرآن الكريم فتلهمك القيم وترتقي بك في عالم الإيمان والصبر والعفاف والوفاء والصدق والاخلاص...الخ.

3. أما على مستوى الحقيقة التاريخيّة فإنّ التوراة تنص على أنّ الملك في عصر يوسف هو الفرعون. بينما القرآن الكريم ينص على أنّه مَلِك ولا يصفه بالفرعون، كما حصل في قصة موسى، عليه السلام. هذا على الرغم من كون القرآن الكريم ينص على أنّ يوسف، عليه السلام، كان في مصر، كما هو موسى، عليهم السلام. وقد تأثر أهل التفسير من المسلمين بالتوراة فذهبوا إلى أنّ الملك هو فرعون، حتى جاءت الدراسات الأثريّة المعاصرة لتبيّن لنا أنّ عصر يوسف عليه السلام هو عصر الملوك الرعاة الهكسوس الذين حكموا الشمال المصري لمدة قرنين. وهم قبائل بدوية جاءت من سوريا لتحتل الشمال المصري وتطرد الفراعنة إلى الجنوب. وقد يُفسر هذا سهولة نزول أخوة يوسف من فلسطين إلى مصر لشراء الطعام، فقد كانت سوريا ومصر تحت حكم ملوك البدو. ومن اللافت أنّ كلمة البدو لم تُذكر في القرآن الكريم إلا في قصة يوسف، وذلك في الآية 100:" ...وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو...".

4. جاء في الإصحاح 42 من سفر التكوين:" ...فحمَّلوا حميرهم القمح وانطلقوا من هناك وحين فتح أحدهم عِدْلهُ في الخان ليعلف حماره لمح فضته لأنها كانت موضوعة في فم العِدْل"، واضح من هذا النص وغيره من نصوص سفر التكوين أنّ إخوة يوسف كانوا يحملون على الحمير. أما القرآن الكريم فنص على أنّها جِمال. وعندما نعلم أنهم كانوا يرتحلون من فلسطين إلى مصر عابرين صحراء سينا ومتوغلين في شمال مصر أدركنا أنّ ما ذكره القرآن الكريم هو الصواب، وذلك للآتي:

أ‌.  لا تصلح الحمير لمثل هذه المسافات الطويلة والتي تمر بالصحراء. أما الجمال فلا شك أنها وسيلة النقل التي كانت مستخدمة لمثل هذه المسافات.

ب‌.  في العادة يمكن أن يحمل الحمار ما يقارب الـ 60 كغم، في المقابل يمكن أن يحمل الجمل في الأسفار الطويلة ما يقارب الـ 200 كغم.

ت‌.  جاء في نص التوراة السالف:" فتح أحدهم عِدْلهُ في الخان ليعلف حماره"، فإذا كان الحمار يُعلف مما فوق ظهره فلا يتوقع أن يكفي ذلك لعلف الحمار مدة السفر، فلماذا كانوا ينزلون إلى مصر إذن؟! أما الجمل فيأكل من عشب الطريق ونبات الصحراء.

ليس من غرضنا هنا أن نستفيض في المقارنة، ولكنه مجرد مثال، والأمثلة كثيرة وكثيرة. ومن أراد الاستزادة من مقارنات سورة يوسف فليرجع إلى كتاب (الظاهرة القرآنية) لعالم الاجتماع الجزائري مالك بن نبي.

وأخيراً نقول إنّ أهل الكتاب أعجز من أن يٌثبتوا أنّ كتبهم ربانيّة المصدر، وهم يعتمدون في جدالنا على تسليمنا بذلك مستندين إلى النصوص القرآنيّة. ولو سلمنا جميعاً بأنّ التوراة والإنجيل والقرآن هي من وضع البشر لكان من البدهي أن نقول: إنّ الإنجيل قد أخذ عن التوراة، وإنّ القرآن الكريم قد أخذ عنهما. وبما أنّ هذه المقدمة غير مسلمة، فقد بات من المفهوم أنّ اتفاق الإنجيل مع التوراة لا يعني أخذه عنها، وأنّ اتفاق القرآن الكريم مع هذه الكتب لا يعني الأخذ عنها أيضاً، لأنّ المسألة تتعلق بالوحي الرباني. وعليه فمن أراد من أهل الكتاب أن يثبت بأنّ القرآن الكريم قد أخذ عن التوراة والإنجيل فليثبت لنا أنّه من وَضْعِ البشر، وليس من وحي الرب. فبأي منطق يزعم النصارى أنّ الإنجيل لم يأخذ من التوراة ثم يُصرّون على أنّ القرآن قد أخذ عنها؟! ألأنهم قادرون على إثبات ربانيّة الإنجيل، أم لعجزنا عن إثبات ربانيّة القرآن الكريم؟! إنّ هذا لشيء عُجاب!!!