الذنب والسيّئة

والمغفرة والتكفير

بقلم: بسام جرار

جاء في الآية 193 من سورة آل عمران:"... رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا..."، واللافت في الآية الكريمة أنّ المغفرة تكون للذنوب، والتكفير يكون للسيّئات. وعند استقراء الألفاظ القرآنيّة نجد أنّ المغفرة تكون للذنوب والخطايا، أما التكفير فللسيّئات. وقد ذهب جمهور أهل التفسير، عند تفسير هذه الآية، إلى أنّ الذنوب هنا هي الكبائر والسيئات هي الصغائر. وهذا غير دقيق، لأنّ الذنوب منها الصغير ومنها الكبير، وكذلك السيّئات.

جاء في عمدة الحفاظ للسمين الحلبي:" ذنْب: كل معصية صغيرة كانت أو كبيرة، وأصله الأخذ بذنب الشيء... ثم استعمل في كل فعل يُستوخم عقباهُ... والذَنَب من الدّابة معروف...". وعليه يكون الذنْب كل ما نتج عنه إثم واستحق فاعله المؤاخذة. فالمؤاخذة هنا أثرٌ يعقب العمل كما هو الذَّنَب في الدابة. وكل ذَنْب سيِّئة.

أما السيّئة فكل ما يسوء الإنسان، ويقابلها الحسنة. ومعلوم أنّ هناك أموراً تسوء الإنسان ولا يؤاخذ عليها، لأنّها لا تصدر عن نيّة المعصية، كالمصائب التي تحل بالناس على الرغم منهم، وبهذا المعنى جاء قوله تعالى في الآية 168 من سورة الأعراف:"...وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". وهناك أمور سيّئة تصدر عن الإنسان ولا يؤاخذ عليها لعدم وجود نيّة المعصية. وهناك أمور يؤاخذ عليها لوجود نيّة المعصية عند الفعل، وهذه هي الذنوب. وعليه نقول: كل ذنب سيّئة وليست كل سيّئة ذنباً. وهذا يعني أنّ مفهوم السيّئة أشمل من مفهوم الذنب.

 على ضوء ذلك يصبح معنى الآية 168 من سورة الأعراف:"... رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا"؛ اغفر لنا ما كان منا من أعمال نؤاخذ عليها، وكفّر عنا كل ما فعلناه مما نؤاخذ أو لا نؤاخذ عليه. وقد يقول البعض: تكفير الأعمال التي نؤاخذ عليها مفهوم، فما معنى تكفير الأعمال التي لا نؤاخذ عليها؟! نقول: هناك سيئات تصدر عن الشخص لا يأثم عليها ولكن يُطلب منه أن يُكفّر عنها، كالقتل الخطأ وكإتلاف أموال الآخرين عن غير قصد...الخ.

جاء في عمدة الحفاظ للسمين الحلبي:" الغفر: الستر والتغطية. ومنه المِغْفَر لأنّه يَسترُ الرأس.."، والمغفر هو زرد حديدي يلبسه المحارب على رأسه تحت القلنسوة، وهو يستر الرأس ويصونه. وعليه فالمغفرة فيها ستر للذنب وصون للمرء من العقوبة. أما الكفّارة فيقول السمين:" الكفر أصله التغطية والستر"، وعليه فالكفارة ما يستر السيئة. واللافت هنا تقارب المعنى في الغَفر والكَفر حتى تظن أنه ترادف، إلا أنّ الغفر فيه  ستر وتغطية وصيانة، أما الكفر فستر وتغطية. ففي السيّئات التي نؤاخذ عليها نحتاج إلى سترها وتغطيتها ونحتاج أيضاً إلى أن نُحفظ ونُصان من العقوبة المستحقّة. أما السيّئات التي لا مؤاخذة عليها فنحتاج إلى سترها وتغطيتها.

بالاستقراء ندرك أنّ المغفرة تكون من واحد لآخر؛ فالله يغفر لنا، ونحن نغفر لبعضنا. أما التكفير فيكون من المُسيء لتغطية وستر سيّئته، ومن هنا كانت الكفارة التي يقوم بها القاتل خطأً أو الناكث ليمينه. ويكون التكفير أيضاً من غير المُسيء لتغطية وستر سيّئة المسيء. فالإنسان إذن لا يغفر لنفسه ولكن يمكن أن يُكفّر عن نفسه. وكل ما قلناه في معنى الغفران والكفارة يفيد بأنّ الذنوب والسيّئات بشكل عام لا تمحوها المغفرة ولا تمحوها الكفّارة، وإنما تسترها وتصون من عقوبتها. فكم من ذنب غُفر وبقيت آثاره في النفس، فلا تُمحى هذه الآثار إلا بفعل الحسنات، انظر قوله تعالى في 114 من سورة هود:.. إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ...". وكم من سيّئة كَفّر عنها فاعلها أو كُفّرت عنه، وبقيت آثارها في النفس أو في الواقع، كالقتل الخطأ الذي كفّر عنه القاتل.

والمغفرة تكون للذنوب والخطايا. والخطايا هي الذنوب الكبيرة. وقد يُشكل على البعض قوله تعالى في الآية 82 من سورة الشعراء، وذلك على لسان إبراهيم عليه السلام:" وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". فإبراهيم عليه السلام ليس له خطيئة، لأنه معصوم من ذلك. ويجاب عن هذا: من البدهي أن يكون نبي كريم كإبراهيم عليه السلام حساساً لأي تقصير يشعر به تجاه الله تعالى،  ومن البدهي أن يكون مُتّهماً لنفسه دائماً بالتقصير، ومن البدهي أن يرى أصغر الصغائر كبيرة. هذا على نقيض أهل الفسوق الذين يرون الكبائر صغائر.