طـالـوت

بقلم: بسام جرار

 

جاء في الآية 247 من سورة البقرة: " وقال لهم نبيهم إنّ الله قد بعث لكم طالوتَ مَلِكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحقُّ بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال، قال إنّ اللهً إصطفاه عليكم وزاده بسطةً في العلم والجسم....".

ورد في العهد القديم، في سفر صموئيل، قصة مطولة قد تصلح لإلقاء الضوء على ما لم تُصرّح به الآيات الكريمة المتعلقة بطالوت، الذي قاد بني إسرائيل في مواجهة أعدائهم، واستطاع أن يهزم جيش جُليات الفلسطيني، وفق عبارة العهد القديم، وتمّ لهم استرجاع تابوت العهد وإقامة نظام ملكي بعد أن كانوا قبائل متفرقة يحكم كل قبيلة منهم قاض. وقد جاء ترتيب سفر صموئيل في العهد القديم بعد سفر القضاة.

 قي المقابل ينبغي الحذر عندما ننظر في العهد القديم، وذلك لما خالط الحقيقة من أوهام ومزاعم وأساطير، وحتى لا نقع فيما وقع فيه بعض أهل التفسير من القدماء، من التوسع عند الأخذ من الإسرائيليات من غير تمحيص.

لم يُصرّح القرآن الكريم باسم النبي الذي لجأ إليه بنو إسرائيل يطلبون ملكاً يوحد كلمتهم ويقودهم في صراعهم مع أعدائهم من أهل البلاد الأصليين. أما العهد القديم فقد صرّح بأنه يُدعى صُموئيل. وفي الوقت الذي يُصرح فيه القرآن الكريم باسم الملك المختار: " إن الله قد بعث لكم طالوت.. "، نجد أنّ العهد القديم يسميه شاؤل. وهذا، كما هو واضح، تباين كبير في الاسم. أما قائد الأعداء فقد صرّح القرآن الكريم بأنّ اسمه جالوت، وهذا قريب من الاسم جوليات الوارد في سفر صموئيل.

 لقد أصبح مبتوتاً عند علماء التاريخ والآثار بأنّ العهد القديم لا يصلح كمستند تاريخي؛ لكثرة ما ورد فيه من أخطاء تاريخيّة تتعلق بالأماكن والأشخاص والأزمان والأحداث. ونحن هنا لسنا في مقام إقامة الحجة على صدقيّة القرآن الكريم، وإنما في مقام تنبيه المؤمنين إلى بعض أسرار العبارة القرآنية.

 أليس من اللافت أن يكون اسم الملك الذي نُصِّب ليقود بني إسرائيل هو (طالوت)، وأن يكون اسم قائد الأعداء من الفلسطينيين القدماء هو (جالوت)

يلاحظ أنّ الإسمين ينتميان إلى لغة واحدة، بل يتماثلان في الحروف إلا الحرف الأول. وواضح أنّ  كل اسم منهما يتكون من مقطعين المقطع الثاني مشترك بينهما،  وهو الواو مع التاء أي: (طال + وت) (جال+ وت).

 فماذا يمكن أن يعني هذا التماثل!؟

تشير التقديرات التاريخية إلى أنّ بني إسرائيل أقاموا في فلسطين ما يُقارب القرنين من الزمان وهم قبائل يحكمها القضاة وتعيش مع السُكّان الأصليين من الفلسطينيين القدماء. وغني عن البيان أنّ علاقتهم مع السكان الأصليين كانت تتراوح بين السلم والحرب، مما يعني أن يتم التأثر والتأثير المتبادل، وهذا من بدهيات الاجتماع البشري. والظاهر أنّ الاسم (طالوت) كان اسماً فلسطينياً، وهذا يشير إلى تأثر الإسرائيليين بالفلسطينيين حتى على مستوى الأسماء، مما يدلل على التفوق الحضاري للفلسطينيين القدماء، وهو أمر متوقع، لأنّ الإسرائيليين كانوا يعيشون المرحلة القبليّة بعد التيه الذي امتد أربعين سنة بعد خروجهم من مصر.

 وهناك من يرى أنّ الأقليات الخائفة قد تعمد إلى أن تتسمى بأسماء الأكثرية المسيطرة كنوع من الحماية وإخفاء الهوية. وقد يعزز مثل هذا القول ما ورد في الآية 246 من سورة البقرة على لسان الإسرائيليين: " وما لنا ألا نقاتلَ في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا... "، ومثل هذه الحالة من الضعف هي التي دعت بني إسرائيل إلى أن يطلبوا من نبيٍّ لهم أن يدعو الله تعالى أن يبعث ملكاً يجمع كلمتهم، كما أشارت الآيات  الكريمة من سورة البقرة.

 تُزاد الواو والتاء في اللغة العربية للمبالغة في الصفة، مثل: الجبروت، الملكوت، الطاغوت... وهذا يقوي احتمال أن يكون اسم (طالوت) مبالغة في صفة إيجابية اتصف بها مما جعله مؤهلاً فيما بعد لأن يملك ويقود. وهذا يفتح الباب لاحتمال أن تكون صفته هذه قد طغت على اسمه الأصلي فسمي بها، وهذا كثير في أسماء القدماء. ولا شك أنّ العبرة في الأسماء لما شاع وتمّ تداوله. أمّا ما يطلقه الأهل من أسماء فلا وزن لها إن هي توارت واندثرت. فأي الأسماء هو الأحق أن يُطلق على البطل المسلم فاتح الأرض المقدسة، يوسف بن أيوب أم صلاح الدين الأيوبي!؟

 قد يكون المدخل لفهم سر هذا الاسم هو ما ورد في الآية 247 من سورة البقرة:" قال إنّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ..."، فقد كان ذا طَوْل في العلم والجسم. وما قيل في طالوت يُقال في جالوت، مع اختلاف في الصفة التي استحق ذلك الجبّار أن يوصف بها؛ فقد كان صاحب صولات وجولات في أرض المعركة، إلى درجة أن يقول الإسرائيليون عند اللقاء:" لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده"، فقد قدّموا جالوت في الذكر على جنوده، بل كأنه في نظرهم نصف الجيش.