مسألة في التوبة

بقلم: بسام جرار

 

جاء في الآيتين 17 و 18 من سورة النساء:" إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا".

الذي دفعنا للكتابة في تفسير الآيتين الكريمتين ما وجدناه عند عامة المفسرين من ظنٍّ بأنّ الحديث هنا عن التوبة المقبولة والتوبة غير المقبولة، وأنّ التائبين الذين تُقبل توبتهم هم فئة واحدة، وأنّ الذين لا تقبل توبتهم هم فئة أخرى. في حين أنّ الناس الذين تُقبل توبتهم هم في الحقيقة فئتان: فئةٌ أوجب الله تعالى على نفسه أن يقبل توبتهم، وفئة تُركَ أمر قبول توبتهم لمشيئته سبحانه.

  " إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه ":ِ لاحظ عبارة:" على الله "، فالله تعالى أوجب على نفسه تكرماً وفضلاً أن يتوب على من توفّرَ في توبته شرطان هما:

" يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ": كطغيان شهوة أو غضب أو عن طيش ورعونة... من غير أن يكون هناك استخفاف بأوامر الخالق سبحانه، ومع إدراكهم لخطئهم وسوء فعلهم.

" ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ": أي يُسارعون للإنابة ولا تطول بهم الإقامة على المعصية. فأمثال هؤلاء أوجب الله سبحانه وتعالى على نفسه أن يقبل ندمهم وتوبتهم. فليطمئنوا فقد قُبِلت توبتهم.

أما الذين لم تتوفّر في توبتهم هذه الشروط، فليعلموا أنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر، أي ما لم يكن في النزع الأخير. وأمثال هؤلاء لا تكون التوبة عنهم يقينيّة، بل هي إلى الله تعالى المطلع على حقيقة قلوبهم، وصدق ندمهم ورغبتهم في الرجوع إلى ربهم. وعليهم أن يُكثروا من الطاعات بعد أن ينزعوا عن المعاصي، فلعل الله تعالى أن يقبل توبتهم.

فالفئة الأولى إذن وجبت لهم التوبة وقُبلت يقيناً. والفئة الثانية فُتحت لهم أبواب التوبة ولم تُغلق في وجوههم، فليتوبوا لعل التواب الرحيم أن يتوب عليهم، فقد أخبر سبحانه وتعالى على لسان رسوله، عليه السلام، أنه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.

" وََلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن": هؤلاء ليس على الله أن يتوب عليهم؛ لا من جهة ما أوجبه على نفسه، ولا من جهة ما فتحه من أبواب التوبة. ولكن لا يعني ذلك أنه لا يغفر لبعضهم، لما يعلمه من حقيقة إيمانهم وصدق محبتهم لله ورسوله، أو غير ذلك مما لا نعلمه ويعلمه اللطيف الخبير. فقد جاء في الآية 116 من سورة النساء:" إنّ اللهَ لا يَغفِرُ أنْ يُشرَكَ بهِ ويَغفِرُ ما دونَ ذلكَ لمن يشاءُ..."، فليس كل من مات على معصية لم يتب منها عذب من أجلها؛ فهناك الميزان، وهناك الشفاعة، وهناك الشهادة،.. وهناك وهناك. ومعلوم أنّ هذه الآية تتحدث عن الآخرة وما بعد الموت. أما في الدنيا فباب التوبة مفتوح، لأنّ الله يغفر الذنوب جميعاً، انظر الآية 53 من سورة الزمر:" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ".