وِلتُصنَع على عيني

 بقلم: بسام جرار

يسألُ البعض عن استخدام لفظة "تُصنع" في قوله تعالى مخاطباً موسى، عليه السلام:" ولِتُصْنَعَ على عيني ". ويبدو أنّ الاستشكال يرجع إلى كثرة استخدام صَنعَ ومشتقاتها في عالم المادة. ومن هنا يجدر بنا أن نعود إلى دلالة اللفظة في اللغة العربيّة قبل طغيان المعنى الاصطلاحي المتعلق بعالم الصناعة الماديّة.

عند الرجوع إلى أقوال الكثير من المفسرين وأهل اللغة وجدنا أنّ السمين الحلبي، في كتابه عمدة الحُفاظ، يضع النقاط على الحروف في تحديد المعنى، فيقول:" الصُنعُ: إجادة الفعل، فكل صُنعٍ فِعْل، وليس كل فعل صُنعاً. ولا يجوز نسبته إلى الحيوانات غير الآدميين، ولا إلى الجمادات، وإن كان الفعل يُنسب إليها... ولا يقال صَنعَ إلا للحاذق المُجيد". وبهذا يتضح أنّ الصنع فيه إرادة تجويد الشيء وتحسينه واتقانه وحذقه. ومن هنا لا يصح أن ينسب لغير العاقل.

كون الصانع يريد الشيء على صورة متقنة لا يعني أنه يفعل ما هو إيجابي؛ فعندما يخطط اللص ويتقن ويُحكم الخطّة يكون عندها قد صنع شراً. وعندما يجيد الشاعر اختيار الألفاظ وسبك الشعر يكون قد صنع شعراً، بغض النظر عن إيجابية المعاني أو سلبيتها. وعندما يساعدك الطبيب في العلاج يكون قد صنع لك معروفاً، أي صنع  لك خيراً. وحتى لا يظن القارئ أنّ الصناعة لغةً تقتضي دائماً الإتقان ننبه إلى أنّه يكفي وجود الإرادة والقصد إلى الفعل حتى نقول إنّ فلاناً قد صنع خيراً أو شراً.

أما التّصنّع ففيه تَكلُّف، كمن يتصنّع حسن الأدب لتحصيل منفعة. والاصطناع فيه مبالغة في إصلاح الشيء وتزيينه وصناعته. والمقصود بإصلاح الشيء: جعله صالحاً لتحقيق المراد. وتستعار لفظة الصنع للدلالة على التربية والتنميّة. ومن هنا يصح أن تقول: إنّ التربية الرياضيَة تصنع الأبطال، وإنّ التربية العقليّة تصنع العباقرة...الخ.

بعد هذه المقدمات نقول: قوله تعالى:" وِلتُصنع على عيني " يشير إلى أنّ تنشئة موسى، عليه السلام، وتربيته الشاملة كانت برعاية الله تعالى وحفظه وصونه وإحسانه. وقد كان هذا الاصطناع الرباني من أجل أن يحمل موسى، عليه السلام، رسالة الرب المربّي إلى عباده المفتقرين إلى فضله. وهذا يشير إلى كرامة الإنسان وجلالة قدره. من هنا ندرك عِظم خطيئة الإنسان عندما ينحرف ويتدلّى ويذهب بعيداً في معصيته لخالقه سبحانه.

وختم النبوّات لا يعني توقّف رعاية الله تعالى وحفظه واصطناعه لبعض خلقه، نظراً لحاجة الناس المستمرّة إلى من يقوم لله بحجة، وإن لم يكن نبياً يوحى إليه. ومن هنا يحار المادّيون من ظاهرة انتشار التدين على الرغم من كل جهود ومخططات أولياء الشيطان. وستبقى حيرتهم وستعظم خيبتهم، لأنّهم لا يدركون أنّ اللطيف الخبير يصطنع من خلقه من يشاء رحمة بعباده.