يعقوب

بقلم: بسام جرار

 

جاء في الآية 71 من سورة هود:" وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحق يعقوب"، والمقصود هنا سارة زوجة إبراهيم، عليه السلام. واللافت أنه تمّ تبشيرها بإسحاق ومن بعده ولده يعقوب. والتسمية، كما هو واضح في النص الكريم، هي من قِبل الوحي، وهذا يُحتّم أن يكون للاسم دلالة أو أكثر تتعلق بالمولود القادم ووظيفته المباركة. والذي نراه أنّ لفظة يعقوب تدل على المبالغة في كونه سيكون ذا عقب ونسل ممتد. وهذه الصفة يمكن أن تكون في أكثر الناس، ولكن المقصود هنا أنّ سلسلة النبوة ستكون في عَقبه، عليه السلام. وهذا ما كان فعلاً في الواقع، فكل من جاء من الرسل والأنبياء  بعده عليه السلام كانوا من ذريته، حتى خُتمت هذه السلسلة المباركة بيحيى، عليه السلام. أما عيسى، عليه السلام، فكان ميلاده على خلاف المعهود بحيث انقطعت عنده العلاقة النسبية المستندة إلى المولد.

 

ويَرِدُ على هذا، قول من قال من المفسرين إنّ الاسم يعقوب ورد في القرآن الكريم ممنوعاً من الصرف، وهذا يدل على أنه أعجمي وليس بعربي. والجواب عن هذا الاعتراض يمكن أن نستعيره من كلام المختص رءوف أبو سعدة في كتابه (من إعجاز القرآن) حيث يقول:" ولم يفطنوا إلى أنّ عَقَبَ العبري يكافئ عَقَبَ العربي مبنى ومعنى". وهذا يعني أنه مُنع من الصرف لأنه أعجمي، ولكن اشتقاق الاسم ومعناه مطابق لما هو في العربية.

 

وَيرِدُ عليه أيضاً أنّ إسحاق، عليه السلام، هو الذي أنجب يعقوب، فلماذا لم يكن هو العاقب، ولماذا ليس إبراهيم، عليهم سلام الله جميعاً؟! نقول: أما بالنسبة لإبراهيم، عليه السلام، فقد جاء في الآية 27 من سورة العنكبوت:" ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب..."، فالبداية كانت باصطفاء إبراهيم، عليه السلام، واتخاذه خليلاً، وكل من جاء بعده من نسله عليه السلام كان فيه تمام النعمة عليه. أما بالنسبة لإسحاق فواضح أنّ المسألة هي اختيار ربّاني، فقد تم اختيار يعقوب ليكون البداية في هذه السلسلة بحيث تكون النسبة إليه دون من سبقه من الآباء. والمتدبر للقرآن الكريم يجد أنّه ينص على اصطفاءٍ خاص لآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، على الرغم من كون آل عمران هم من نسل إبراهيم، عليهم السلام. جاء في الآية 33 من سورة آل عمران:" إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين"، فقد كُرِّم عمران بجعله بداية سلسلة مباركة، كما كُرم إبراهيم، عليه السلام، بجعله بداية سلسلة مباركة من الأنبياء والرسل.

 

والآل: هم من يؤول إليهم الإنسان، أي يرجع إليهم أو يرجعون إليه، بنسب أو اعتقاد أوتابعيّة. فإسحاق، عليه السلام، يؤول لإبراهيم، عليه السلام، بنسب واعتقاد وتابعية، فقد كانت نبوته في سياق رسالة إبراهيم، عليه السلام. وبما أنّ يعقوب هو من ولد إسحاق، عليهم السلام، وبما أنّ الأنبياء من نسله يؤولون إليه فإنّ ذلك يشير إلى بداية تتعلق بالدين والإمامة وليس بالنسب فقط. وعليه فإنّ آل موسى هم الأنبياء الذين جاءوا من نسله، عليه السلام، وعلى خطاه في الاعتقاد والتشريع. وآل هرون هم من جاء بعده من الأنبياء من نسله، عليه السلام، وعلى خطاه، وآل داود، عليه السلام، كذلك. ولا قيمة للنسب إذا لم يُشفَع بتابعيّة. جاء في الآية 124 من سورة البقرة:" وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُهُ بكلماتٍ فأتمهنَّ قالَ إنّي جاعلكَ للناس إماماً، قال ومن ذريتي، قال لا ينالُ عهدي الظالمين". والتابعيّة هي الأهم وهي الأَوْل الحقيقي. ومن الملاحظ أنّ القرآن الكريم عندما يتكلم عن أهل الفضل والإيمان والتابعيّة من ولد يعقوب يقول:" آل يعقوب"، أما عندما يتحدث إلى أبنائه، عليه السلام، يقول:" يا بني إسرائيل".

 

جاء في الآية 6 من سورة يوسف:" وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتمُّ نعمتهُ عليك وعلى آل يعقوب، كما أتمها على أبويكَ من قبلُ إبراهيمَ وإسحاقَ..."، وجاء في الآية 6 من سورة مريم، وذلك على لسان زكريا وهو يسأل الله تعالى أن يهبه من يرثه في دعوته:" يرثني ويرثُ من آلِ يعقوبَ..."، فلا تزال الصلة قائمة، ولا تزال الوراثة قائمة، حتى بعد مجيء موسى وهارون وداود، مما يدل على تميّز يعقوب بأمور دينية بدأت فيه واستمرت في نسله ولم تنقطع بمجيء رسالات موسى وهارون وداود، عليهم السلام. وقول زكريا، عليه السلام:" ويرثُ من آل يعقوب"،" وليس:" ويرث آل يعقوب"، يوحي بأنّ المطلوب بعض ما ورَّثهُ آل يعقوب، لأنّ هناك أموراً جاء بها الرسل من بعده لم تكن من ميراثهِ عليه السلام.

 

واستجيب لزكريا، فكان يحيى، عليهما السلام، آخر نبي في هذه السلسلة المباركة، وكان آخر من أعقبَ يعقوبُ من أئمة الهداية والرشاد، وكان آخر وارث يؤول إليه الإرث المبارك. وفي ذلك إرهاص بانتقال النبوة إلى نسل إسماعيل، عليه السلام، إيذاناً بختم النبوّات وبالتالي الرسالات. وبذلك يكون الله تعالى قد استجاب دعوة إبراهيم، عليه السلام، حيث جاء في الآيات 127، 128، 129 من سورة البقرة:" وإذ يرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربنا تقبّل منا إنك أنت السميعُ العليم، ربنا واجعلنا مسلمَينِ لك ومن ذُرّيتنا أمّةً مسلمةً لكَ وأرنا مناسِكَنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتِك ويُعلِمُهم الكتاب والحكمةَ وُيزكّيهم إنك أنت العزيز الحكيم". فختْمُ وراثة يعقوب وانتقال النبوة في نسل إسماعيل، عليه السلام- لتختم بمحمد، صلى الله عليه وسلم- فيه استجابه لدعاء ورجاء خليل الرحمن، عليه السلام، بل هي مشيئة الله تعالى كانت رجاءً أجراه على لسان خليله ليستجيب له، تكريماً له ولخاتم النبيين، عليهم السلام، ولخير أمة تشهد على الأمم. ومن لطائف دلالات الأسماء أنّ معنى الاسم إسماعيل عند المحققين هو " سَمِعَ اللهُ ".

 

أما عيسى، عليه السلام، فهو ابن مريم، ولا يرجع في نسبه إلى يعقوب، عليه السلام، لأنّ الانتساب في دين الله وشرعه يكون للأب، جاء في الآية 5 من سورة الأحزاب:" ادعوهُم لآبائهم هو أقسطُ عند الله..."، فانتساب عيسى لمريم، عليهما السلام، قطع العلاقة النسبية، على الرغم من كونه حلقة الوصل بين الماضي والمستقبل، جاء في الآية 6 من سورة الصف على لسانه عليه السلام:"... مُصدقاً لما بين يديَّ من التوراةِ ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمهُ أحمد .." وبذلك قُطعت الصلة النسبيّة وبقيت الصلة الحقيقية؛ وهي الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة في الدين. هذا في المسار الأول الذي بدأهُ يعقوب، عليه السلام. أما المسار الثاني، الذي بدأ بإبراهيم وإسماعيل، فختمه خاتم النبيين، عليهم صلوات الله وسلامه. ويبدو أنّ الختم كان تاماً قاطعاً للنسب أيضاً. ومن هنا وجدنا أنه لم يعش للرسول، صلى الله عليه وسلم ولداً ذكراً، لينقطع النسب القائم على أساس الولادة، والذي لا فضل لنا فيه ولا اختيار. ويبقى النسب الحقيقي والوراثة الحقيقية، القائمة على أساس من الإرادة والاختيار. جاء في الآية 40 من سورة الأحزاب:" ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسولَ الله وخاتمَ النبيين..."

 

جاء في الآية 6 من سورة الأحزاب:" النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجُهُ أمّهاتُهُم..."، فالنبي، عليه السلام، أكثر من أب، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. أما زوجاته عليه السلام ففي مقام الأمهات، وبذلك اكتمل النسب. وإبراهيم، عليه السلام، هو الأب الذي أطلق علينا اسم المسلمين، كما يفعل الآباء عندما يطلقون الأسماء على الأبناء، جاء في الآية 78 من سورة الحج:" ... مِلّةَ أبيكم إبراهيمَ هو سماكُم المسلمين من قَبل...". وعليه يصبح مفهوماً وفي غاية الوضوح قولنا في كل صلاة:" اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم..."، فكما كانت الصلاة على إبراهيم، عليه السلام، وعلى آله الكرام، فلتكن يا ربنا الصلاة كذلك على محمد وعلى كل من آل إليه بتابعيّة واعتقاد. آمين.